الجزء الأول بنتك تقيلة عليا يا أحمد، ومش مسؤوليتي أشيلها لوحدي وإنت رايح جاي وتسيبني معاها. دي كانت آخر جملة قلتها لخطيبي قبل ما أكتشف إنه في الحقيقة كان قرر يتخلى عن بنته... ويتخلى عني أنا كمان. أنا اسمي مريم، عندي تلاتين سنة وبعيش في القاهرة. لمدة أربع سنين تقريبًا كنت فاكرة إن أحمد هو الراجل اللي هكمل معاه عمري وأبني معاه بيت وأسرة. اتعرفنا على بعض في كافيه قريب من وسط البلد، يوم ما دخل وهو ماسك إيد بنته شهد، بنت عندها ست سنين وبتعاني من إعاقة حركية بتخلي حركتها وكلامها أصعب من الأطفال التانيين. من أول مرة شفتها، قلبي اتشد ليها. كانت بتبصلي بنظرة طفلة مستنية حد يحتويها ومايبعدش عنها. أحمد حكالي وقتها إن أم شهد، نيرمين، سابتها وهي صغيرة. وقال إنها ماقدرتش تستحمل مسؤولية طفلة محتاجة رعاية خاصة. صدقته. زعلت على شهد، وتعاطفت معاه، ومن غير ما أحس لقيت نفسي واخدة دور محدش طلبه مني رسميًا... دور اللي بيراعي البنت ويهتم بيها. مع الوقت شهد بقت جزء من حياتي. أنا اللي كنت بوديها جلسات العلاج الطبيعي، وأفهم إشاراتها، وأعرف هي عايزة إيه حتى قبل ما تتكلم. كنت أعرف إمتى رجليها بتوجعها، وإمتى بتخاف، وإمتى محتاجة حد يطمنها. أحمد كان دايمًا يقول إني نعمة من ربنا ليهم. وبعد فترة طلب إيدي للجواز. بعد الخطوبة بأسبوع، قالي إن عنده شغل مهم في الإسكندرية وهيضطر يسافر كام يوم. طلب مني أقعد مع شهد تلات أيام بس. وافقت عادي. في الآخر إحنا كنا خلاص داخلين على جواز. بس التلات أيام بقوا خمسة. والخمسة بقوا أسبوع. وأحمد اختفى. تليفونه مقفول. رسائلي من غير رد. حساباته على السوشيال ميديا اختفت. حتى أمه، الحاجة فاطمة، بطلت ترد عليا وبعدين عملتلي بلوك. لما كلمت الشركة اللي كان بيقول إنه شغال فيها، الموظف قالي إن أحمد ساب الشغل من أكتر من شهر. في اللحظة دي حسيت إن الدنيا بتلف بيا. في نفس الليلة فضلت أدور في الشقة كلها. فتحت الأدراج. راجعت الورق. قلبت الشنط. ولما رفعت المرتبة من على السرير، لقيت ظرف متلزق بشريط لاصق من تحت. كان مكتوب عليه اسمي. "مريم" إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه. قعدت على الأرض وقريت الرسالة وشهد نايمة في أوضتها. "مريم... سامحيني. أنا تعبت من التمثيل." كملت القراءة وأنا حاسة إن قلبي بيتفتت. أحمد اعترف إنه عمره ما قطع علاقته بنيرمين. وإنهم كانوا بيتقابلوا في السر سنين. وإنه اتفق معاها يسيبوا القاهرة ويبدأوا حياة جديدة في محافظة تانية. وبعدين وصلت للسطر اللي كسرني: "شهد كانت عبء علينا إحنا الاتنين. إنتِ بتحبيها أكتر مننا. اعملي معاها اللي إنتِ شايفاه مناسب." وقتها ماعيطتش. ماعرفتش أعيط. كان في طفلة نايمة جوه البيت، أهلها الاتنين قرروا يتخلوا عنها كأنها شيء مالوش قيمة. تاني يوم اتصلت بالمجلس القومي للطفولة والأمومة والجهات المختصة، وحكيت كل حاجة. صوتي كان بيتهز. بس ماكانش عندي اختيار تاني. أنا كنت بحب شهد، لكن ماكنتش مستعدة قانونيًا ولا نفسيًا أبقى أم بين يوم وليلة. بعد يومين، وصل جدها وجدتها من ناحية أمها. الحاج محمود والحاجة أمينة. كانوا منهارين من العياط. هما كمان ماكانوش يعرفوا نيرمين فين. أول ما شافوا شهد حضنوها وكأنهم بيعتذروا ليها عن ذنب مش ذنبهم. بعد شهور من الإجراءات القانونية، أخدوا حضانتها بشكل رسمي. وشهد راحت تعيش معاهم في بيت هادي في المنصورة. هناك كان عندها علاج، واهتمام، وناس بتحبها بجد. أما أنا... فكملت حياتي بالعافية. كنت بروح أزورها من وقت للتاني. في الأول الزيارة كانت بتوجعني. لكن ماقدرتش أبعد عنها. شهد ماكنتش تعرف تنطق اسمي كامل، فكانت بتناديني "ميمي". وكل مرة أسمعها بتناديني كده، كنت أحس إن جزء مني بيتكسر... وجزء تاني بيتعالج. عدت سنتين. وبدأت أخيرًا أنسى أحمد. لحد ما في يوم، حد خبط على باب شقتي. فتحت الباب. واتصدمت. أحمد واقف قدامي. وجنبه نيرمين. كانت لابسة نضارة شمس غالية، وشكلها يوحي إنها جاية تعتذر غصب عنها. أما أحمد، فكان الخوف باين في عينيه. —مريم... إحنا جايين عشان شهد. فضلت باصة لهم من غير ما أتكلم. نيرمين بدأت تعيط. —غلطنا... بس دلوقتي بقينا جاهزين نربي بنتنا. أحمد طلع دفتر شيكات من جيبه وقال: —إحنا مستعدين ندفع أي مبلغ. بس قولي لنا شهد فين. في اللحظة دي فهمت إنهم لسه شايفين شهد بنفس الطريقة القديمة. حاجة تتساب. أو تتباع. أو يرجعوا يطالبوا بيها وقت ما يحبوا. بصيت لهم في عينيهم وقلت: —إنتوا جيتوا متأخر أوي. شهد مبقتش هنا. وبالنسبة لي، إنتوا فقدتوا حقكم فيها يوم ما رميتوها وسافرتوا. نيرمين صرخت باسمي وأنا بقفل الباب. لكن الأسوأ ماكانش صريخهم. الأسوأ إني حسيت إن رجوعهم ده مجرد بداية لمصيبة أكبر بكتير. ## الجزء الثاني: ظلال الماضي قفل باب شقتي في وشهم كان أسهل قرار أخدته في حياتي، بس تأثيره كان زي "الزلازل" اللي بتهز الأساسات من جوه. فضلت واقفة ورا الباب، سامعة خبطهم، وصريخ نيرمين اللي تحول لشتيمة وتوعد، وصوت أحمد اللي كان بيحاول يهدّيها بصوت واطي ومريب. فضلت ساكتة، كتمت نَفَسي، لحد ما خطواتهم بعدت عن باب العمارة. وقعت على الأرض، وضهري مسنود على الباب الخشب. إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة تليفوني. أول حاجة عملتها إني اتصلت بالحاج محمود في المنصورة. — "يا عمي، أحمد ونيرمين ظهروا. جولي هنا النهاردة." صوت الراجل العجوز اتغير في الثانية، نبرته اللي كانت دايمًا هادية بقت مليانة رعب وقوة في نفس الوقت. "اسمعيني يا مريم، اقفلي بابك كويس، وماتفتحيش لحد. أنا هتحرك دلوقتي، ومعايا المحامي بتاعي. شهد في أمان، بس خايف عليهم هما يوصلولها بطريقة تانية." قضيت الليل ده وأنا مش شايفة النوم. أفكاري كانت بتطاردني، مش بس خوف على شهد، لكن خوف على نفسي من اللي جاي. أحمد ونيرمين ماجوش عشان "شهد"، الناس اللي باعت بنتها مرة، ممكن تبيعها ألف مرة لو الموضوع فيه مصلحة. بس إيه اللي جابهم دلوقتي؟ وليه بعد سنتين؟ عدى أسبوع، وحياتي بقت جحيم من الترقب. بقيت بغير طريقي للشغل، وببص ورايا كل ما أسمع صوت عربية بتقف جنب البيت. في اليوم الخامس، وأنا راجعة من الشركة، لقيت عربية سوداء مركونة قدام العمارة. قلبي نزل بين رجلي. بس اللي نزل منها ماكانش أحمد، ده كان راجل غريب، لابس بدلة سودة، باين عليه إنه "بودي جارد" أو حد من النوع اللي بيقبض فلوس عشان ينفذ مهام قذرة. الراجل قرب مني، وابتسم ابتسامة مريحة للأعصاب بطريقة تخوف. — "آنسة مريم؟ أحمد بيه عايز يقابل حضرتك ضروري. المرة دي الموضوع مش بخصوص شهد بس." بصيتله بتحدي رغم إن ركبي كانت بتخبط في بعض. "قول لأحمد بيه إن لو قرب مني تاني، هبلغ البوليس بتهمة التهديد والمطاردة. وأنا مش مريم بتاعة زمان يا أستاذ." الراجل طلع ظرف وداهولي، وقبل ما أفتح بوقي كان ركب عربيته ومشي. فتحت الظرف بإيدين تقيلة، لقيت فيه صورتين. واحدة لشهد وهي خارجة من مدرستها في المنصورة، وواحدة لجدها الحاج محمود وهو قاعد على القهوة. الرسالة كانت قصيرة: *"شهد مش بس بنتنا، شهد هي المفتاح لميراث أبويا اللي كنت فاكره ضاع. المكان اللي هي فيه مش آمان، وسلميها لينا قبل ما يحصلها حاجة."* جسمي اتلج. ميراث؟ أحمد بيتكلم عن فلوس؟ يعني شهد بالنسبة لهم دلوقتي "أصل" (Asset) لازم يستردوه عشان يفتحوا بيه باب للثروة! قررت أخد إجازة من الشغل، وجمعت شنطتي وسافرت المنصورة. الرحلة كانت طويلة، وكل تفكير فيها كان بيحرقني. وصلت بيت الحاج محمود، أول ما دخلت، لقيت شهد قاعدة في الجنينة، بتلعب بمكعبات خشب. لما شافتني، سابت كل حاجة وقامت تتسحب -بصعوبة زي ما هي متعودة- وجت في حضني. — "ميمي! ميمي جت!" دموعي نزلت غصب عني. ضمتها لصدرى، كانت دافية، وكانت حقيقة وسط عالم مليان كذب. الحاج محمود خرج، وكان وشه شاحب. قعدنا في الصالون، حكيتله عن التهديد وعن الصور. الحاج محمود اتنهد بصوت عالي، وبصلي بكسرة: "أحمد أبوه كان راجل أعمال كبير، ومات من شهرين وساب وصية غريبة. الفلوس كلها محطوطة في صندوق استئماني باسم شهد، بس بشرط.. لازم يكون ليها ولي طبيعي واحد على الأقل عايش معاها. لو مفيش، الفلوس دي تتوزع على جمعيات خيرية." — "يعني هم محتاجين يثبتوا إنهم بيربوها عشان ياخدوا الفلوس؟" سألت بصدمة. — "بالظبط. وهما مش عايزين شهد، هما عايزين الفلوس، ومستعدين يرتكبوا أي ج*ريمة عشان يوصلوا للورق." الليل في المنصورة كان هادي، بس كان هدوء ما قبل العاصفة. قعدت مع الحاج محمود نخطط، بس كان فيه حاجة مريبة. لاحظت إن فيه عربية بتلف حوالين البيت كل شوية. في نص الليل، سمعت صوت زجاج بيتكسر في المطبخ. قلبي دق بجنون. قمت من على السرير، مسكت تليفوني، ولقيت رسالة من رقم مجهول: *"أحمد مستني بره. لو مش عايزة البنت تتأذي، طلعيها."* بدل ما أخاف، حسيت ببركان غضب بيتحرك في دمي. ده مش بس خيانة لشهد، ده إهانة لآدميتي اللي قررت أستعيدها. نزلت المطبخ، ولقيت الحاج محمود واقف ومسؤول عن أمن البيت، كان مجهز نفسه ومستعد. — "مريم، خدي شهد واطلعي على الأوضة اللي فوق، السطح فيه سلم طوارئ، اطلعي منه وانزلي على بيت الجيران، الحاج صادق مستنيكم." — "مش هسيبك لوحدك يا عمي!" — "اعملي اللي بقولك عليه، دي بنتنا، ولازم تحميها!" طلعت أجري على أوضة شهد، شيلتها وهي نايمة، وقلبي بيقطعني من الخوف عليها. طلعت على السطح، والهواء كان بارد بيخبط في وشي. سمعت صوت زعيق أحمد في البيت تحت، كان بيصرخ: "فين البنت؟ أنا عارف إنها هنا!" نزلت من سلم الطوارئ لبيت الجيران، وأنا حاسة إن حياتي بقت فيلم رعب. أول ما لمست رجلي الأرض في بيت الجيران، سمعت صوت طلق ناري مكتوم من ناحية بيت الحاج محمود. صرخت، بس كتمت صوتي بإيدي عشان شهد ما تصحاش وتخاف. في اللحظة دي، حسيت إن اللعبة خلصت، وإن "أحمد" اللي كنت فاكراه حب حياتي، ماكانش أكتر من وحش مستني الوقت المناسب عشان ينهش في كل اللي حواليه. مسكت شهد بقوة، وبصيت ورايا، كان فيه ضل أسود بيتحرك ناحيتنا في ضلمة الجنينة. هل يا ترى أحمد مستعد يق*تل عشان يوصل لغرضه؟ وإيه اللي مخبيه القدر ليا ولشهد في الليلة دي؟ **عايزة أعرف يا مريم، إيه الخطوة اللي ناوية تاخديها دلوقتي عشان تحمي شهد من أبوها؟ وهل تعتقدي إن الحاج محمود هيقدر يقف قدام أحمد وبلطجيته لوحده؟** ## الفصل الثالث: في قلب العاصفة الخوف مش بس شعور، الخوف حالة بتشل الأطراف، بس وأنا شايلة شهد في الليلة دي، حسيت بقوة غريبة بتجري في عروقي. السواد اللي كان بيتحرك ناحيتنا في الجنينة وقف فجأة. الضلمة كانت تقيلة، وريحة التراب المبلول بعد مطر خفيف كانت خانقة. — "شهد، حبيبتي، افتحي عينيكي وبصي لي،" همست في ودنها. الطفلة فتحت عيونها بنعاس، ولما شافت الخوف في ملامحي، سكتت تماماً. هي كانت عارفة إن فيه حاجة غلط، لأنها كانت ذكية بزيادة رغم ظروفها. نزلتها على الأرض بهدوء، ومسكت إيدها، وبدأنا نمشي بحذر في "منور" بيت الجيران. الحاج صادق، جار الحاج محمود، كان راجل شهم، فتحلنا الباب بسرعة ودخلنا، قفل الباب وبصلي بذهول. — "يا بنتي، إيه اللي بيحصل؟ محمود كلمني وقالي إن فيه ناس غريبة حولين البيت، بس مكنتش متخيل إن الأمور هتوصل لضرب نار!" — "يا حاج صادق، أحمد مابقاش طبيعي، ده شيطان وبيدور على أي حاجة تخليه ياخد فلوس." قبل ما أكمل جملتي، سمعنا صوت صريخ نيرمين بره، كان صوت عالي، مسموع، وكأنها بتعمل "تمثيلية" عشان تشتت الانتباه. كنت عارفة أسلوبهم، هما بيحاولوا يعملوا دوشة عشان يستدرجوا حد مننا. قررت أطلع تليفوني، مكنش فيه إشارة كفاية، قلبي كان بيدق زي الطبول. فجأة، جاتلي رسالة من "رقم مجهول": *«إنتِ فاكرة إنك هتهربي منها؟ أنا عرفت مكانكم يا مريم. قدامك عشر دقايق، يا تسلميني البنت، يا إما العمارة كلها هتدفع التمن.»* بصيت لشهد، اللي كانت قاعدة في ركن الأوضة، ضامة رجليها لصدرها. عيونها كانت بتبصلي، نظرة عتاب ممزوجة بخوف. "ميمي.. ليه بابا وحش؟" سؤالها قطع قلبي. حاولت أبقى قوية، ابتسمت ليها رغم إن دموعي كانت خلاص على وشك النزول. "مش بابا يا شهد، ده حد اتغير، حد نسي يعني إيه إنسانية." خرجت من بيت الحاج صادق بعد ما اتأكدت إن شهد في مكان "مستخبي" في خزانة خشب كبيرة في الأوضة التانية. كان لازم أواجههم، كان لازم أشتت انتباههم عن مكانها. طلعت للشارع، كان الجو هادي وموحش. لقيت عربية أحمد مركونة على بعد أمتار، وهو كان واقف، بيدخن سيجارة وبصته كانت تايهة. — "أحمد!" ناديت بصوت عالي. لف ناحيتي، عيونه كانت حمرا، وشكله كان مبهدل، وكأنه مكنش نايم بقاله أيام. نيرمين كانت واقفة وراه، لابسة عباية سوداء، وشكلها مريب. — "فينها؟" سأل أحمد وهو بيقرب مني بخطوات تقيلة. — "شهد مش لعبة يا أحمد. أنت فقدت كل حاجة، حتى بنتك اللي كنت بتدعي إنها عبء، بقيت بتطاردها عشان قرشين؟ أنت وصلت لمرحلة من الحقارة مكنتش أتخيلها." ضحك أحمد ضحكة صفراء، وطلع مس*دسه، وصوبه ناحيتي. مكنتش خايفة، بالعكس، كنت مستعدة للموت لو كان ده التمن عشان شهد تعيش بسلام. — "أنا عايز الفلوس يا مريم. الفلوس دي حقي، دي فلوس أبويا اللي ضيع عمره في الشقا، وأنا أولى بيها من جمعيات خيرية!" — "أنت مش أولى بقرش واحد! شهد هي اللي أولى، لأنها هي اللي عاشت وجعك أنت وأمها." نيرمين بدأت تصرخ: "يا أحمد، سيبك منها، البنت أكيد في بيت الحاج محمود، خلينا نخلص من مريم دي ونروح نجيب شهد بالعافية!" في اللحظة دي، سمعت صوت "سارينات" بوليس من بعيد. الحاج محمود مكنش نايم على ودانه، كان مكلم المباحث من قبل ما يوصلوا. أحمد اتوتر، بدأ يبص يمين وشمال، ونيرمين بقت في حالة هستيريا. أحمد مسك دراعي بقوة، وبدأ يسحبني ناحية العربية. "أنتِ هتكوني الضمان بتاعي يا مريم. لو البوليس قرب، هنهي حياتك." حسيت ببرودة المعدن على رقبتي، كان حاطط المس-دس، بس في لحظة تهور، ضربته بـ "كعبي" في رجله بكل قوتي، وبعدت عنه. كان فيه "خناقة" بدأت بيني وبينه، حاولت أسحب المس*دس، حسيت بألم في إيدي، بس كنت مصممة. نيرمين حاولت تتدخل وتضربني، بس في الوقت ده، اقتحمت قوة من البوليس المكان. أحمد حاول يهرب، بس رصاصة تحذيرية في الهوا وقفته. اترمي على الأرض، والكلابشات كانت بتلمع في إيديه. نيرمين وقعت تلطم على وشها وتعيط، بس مكانش فيه حد متعاطف معاها. الحاج محمود طلع من بيتهم، وشه كان مليان جروح، بس أول ما شافني، جري ناحيتي. — "بنتي.. مريم.. إنتِ بخير؟" هزيت راسي بالإيجاب، بس عيوني كانت بتدور على شهد. جريت على بيت الحاج صادق، فتحت الخزانة، لقيتها قاعدة، بتعيط بصوت مكتوم. حضنتها بقوة، حسيت إن العالم كله رجع لمكانه. عدى يومين، والخبر كان في كل حتة. أحمد ونيرمين اتحبسوا، مش بس بتهمة التهديد، لكن كمان ظهرت ملفات قديمة عن قضايا نصب كانوا متورطين فيها سنين طويلة. شهد بقت في أمان رسمي، والوصاية انتقلت للحاج محمود، وبقيت أنا "الوصي التاني" بناءً على رغبتهم. بس، الأحداث ماوقفتش عند القبض عليهم. وأنا براجع أوراق أحمد اللي كان سايبها في عربيته، لقيت "أجندة" صغيرة، مكتوب فيها أسماء ناس، وأرقام حسابات، ومبالغ ضخمة. اكتشفت إن أحمد ماكانش بس بيطارد شهد عشان الميراث، ده كان متورط مع عصابة أكبر بكتير، وكانت شهد "الخيط" اللي بيوصلهم لناس تقيلة في البلد. يعني الموضوع ماكانش عائلي خالص، الموضوع كان أكبر بكتير، وكان فيه "طرف تالت" لسه ماظهرش. وأنا بقلب في الصفحات، وقعت ورقة مكتوب فيها عنوان في وسط البلد، وعليها اسم "شركة مقاولات" مشهورة. قعدت مع نفسي في هدوء الليل، وأنا باصة لشهد وهي نايمة بسلام. حسيت إن اللي فات ده كله كان مجرد "مقدمة" لمواجهة أكبر. الشخص اللي كان بيشغل أحمد، لسه حر، ولسه بيدور على شهد. الباب خبط. فتحت الباب، لقيت ظرف تحت الباب. فتحته بإيدين بتترعش. كان فيه ورقة مكتوب فيها جملة واحدة: *"الميراث مش هو الغاية.. الغاية هي اللي شهد تعرفه."* يعني شهد عندها سر؟ حاجة شافتها أو سمعتها وهي صغيرة؟ حسيت إن السقف بيقع عليا. الخطر لسه موجود، واللعبة بقت أذكى بكتير. مش بس مجرد طمع، ده صراع على حياة شهد.. ومستقبلها. بصيت لشهد وهي نايمة، وقلت لنفسي: "مش هسمح لأي حد يقرب منك، مهما كان التمن." ** ## الفصل الرابع: الحقيقة المرة.. والبداية الجديدة الرسالة كانت عاملة زي السم في العسل. "الغاية هي اللي شهد تعرفه". فضلت باصة للورقة وأنا حاسة إن عقلي بيحاول يربط خيوط متباعدة. شهد طفلة بريئة، إعاقاتها كانت بتخلي الناس تفتكر إنها مش مركزة أو مش فاهمة، بس الحقيقة كانت عكس كدة تماماً. شهد كانت "مُلاحظة" عبقرية، بتخزن في ذاكرتها مواقف، وشوش، وأصوات، حتى لو ماكانتش قادرة تعبر عنها بالكلام. قعدت جنبها على السرير، مسكت إيديها الصغيرة وبدأت أكلمها، مش كأنها طفلة، كأنها كيان شايل سر تقيل. — "شهد، يا حبيبتي.. فاكرة البيت القديم؟ فاكرة الناس اللي كانوا بييجوا يقعدوا مع بابا في المكتب؟" شهد بصتلي، وعيونها اللي كانت دايماً مليانة براءة اتحولت لنظرة تانية.. نظرة خوف ممزوج بتركيز شديد. بدأت تطلع أصوات مش مفهومة، وتشاور بإيديها على رقبتها، وبعدين حطت إيدها على عينها وغمضتها. فهمت.. هي شافته. هي شافت حاجة ماكانش لازم طفلة تشوفها. في الصبح، اتصلت بصديق قديم ليا، كان ضابط في المباحث الجنائية، "طارق". حكيتله كل حاجة، من غير ما أخبي أي تفاصيل، بما فيها الرسالة الغامضة. طارق جالي البيت في المنصورة ومعاه فريق صغير سري. لما شاف شهد، ملامحه اتغيرت. — "مريم، لو البنت دي شافت حاجة تخص رجال أعمال، يبقى إحنا مش بنواجه عصابة عادية، إحنا بنواجه شبكة فساد واصلة لأعلى المستويات." بدأنا نشتغل على "تفريغ" ذاكرة شهد بطريقة لطيفة. استعنا بأخصائية تخاطب وتعديل سلوك كانت بتشتغل معانا، وبدأنا نستخدم الصور والمكعبات عشان تخليها تحكي اللي شافته. شهد كانت بترسم.. رسمت عربية سودة كبيرة، ورسمت راجل "بشنب" وراجل تاني لابس "بدلة وجزمة بتلمع". الأهم من كدة، رسمت "شعار" الشركة اللي لقيته في أجندة أحمد. الصدمة كانت لما اكتشفنا إن الشركة دي هي اللي كانت بتدير "مشاريع استثمارية" غامضة في أراضي الدولة. وأحمد ماكانش شريك، أحمد كان "ساعي بريد" بيوصل رسايل وبياخد عمولات، ولما بدأت الأمور تتكشف، قرروا يتخلصوا منه، بس هما كانوا محتاجين شهد.. لأن شهد كانت "الشاهد الوحيد" على صفقة تمت في مكتبه يوم ما سابونا ومشيوا. الليل ده كان ليلة الحسم. طارق قالي إنهم رصدوا مكالمات تهديد جاية من رقم دولي، وإنهم بيمهدوا لهجوم على مكان تواجدنا. — "مريم، لازم تمشوا من هنا. البيت ده اتكشف." قبل ما نتحرك، سمعنا صوت تكسير باب البيت. كان هجوم منظم. ناس ملثمين دخلوا البيت كأنهم قوة كوماندوز. أنا والحاج محمود وشهد استخبينا في "قبو" قديم كان تحت أرضية المطبخ، مكان محدش يعرفه غير الحاج محمود. كنت سامعة صوت ضرب النار، وصوت طارق وهو بيزعق للرجالة بتوعه. قلبي كان بيتدق في ودني. شهد كانت في حضني، مش بتعيط، كانت ماسكة إيدي بقوة وكأنها بتقولي "أنا معاكي". فجأة، الباب الحديدي للقبو اتفتح. كان واحد من الملثمين، ماسك س*لاح كاتم للصوت. في اللحظة اللي رفع فيها الس*لاح، الحاج محمود، الراجل العجوز اللي كنت فاكراه ضعيف، نط عليه بكل قوته. كانت خناقة مفيش فيها رحمة. أنا استغليت الفرصة، وضربت الراجل بـ "طفاية حريق" كانت قريبة مني بكل اللي أوتيت من قوة. الراجل وقع على الأرض، وقبل ما يقوم، طارق وقوته اقتحموا القبو. — "الكل يرمي س*لاحه!" المعركة بره كانت انتهت. البوليس سيطر على الموقف، والرجالة اللي كانوا جايين خطفونا طلعوا "رجالة" تابعين لواحد من أكبر رجال الأعمال في البلد، اللي كان خايف إن شهد تفتح بوقها وتكشف تورطه في قضايا غسيل أموال وتهريب آثار. المحاكمة كانت حديث البلد. أحمد ونيرمين، في قفص الاتهام، كانوا بيحاولوا يرموا التهمة على بعض. بس الشهادة اللي قدمتها، مع الأدلة اللي جمعناها من "رسمات" شهد وتسجيلات أحمد اللي لقيناها، كانت كفيلة إنهم ياخدوا أحكام مشددة. أما رجال الأعمال اللي كانوا ورا كل ده، فكلهم وقعوا واحد ورا التاني بعد ما شهد "بإشاراتها" أكدت هويتهم قدام النيابة. بعد شهرين من المحاكمة والضغوط، بدأت الحياة ترجع لطبيعتها. قعدت مع شهد في جنينة بيت الحاج محمود. الجو كان ربيعي، والشمس كانت دافية. شهد بدأت تتحسن في الكلام، ونطقها بقى أوضح بكتير. — "ميمي.. مش هنمشي؟" بصيتلها وابتسمت، ومسحت على شعرها. — "لا يا شهد.. خلاص، مفيش حد هياخدك مني تاني. إحنا هنا في بيتنا." الحاج محمود كان قاعد بيراقبنا من بعيد، ودموع الفرح كانت في عينيه. هو كمان لقى فينا العوض بعد ما فقد بنته في طريق الغلط. أنا مريم، اللي كانت فاكرة إن حياتها اتدمرت لما أحمد سابها. بس الحقيقة، إن أحمد ماكانش خذلاني، أحمد كان "درس" عشان أتعلم إني قوية، وإن عندي قلب يقدر يحب ويدافع ويغير حياة طفلة كانت ميتة في نظر الناس. أخدت قرار إني أفتح "مركز رعاية وتأهيل" للأطفال اللي في ظروف شهد، في القاهرة، وبدعم من الحاج محمود وبمساعدة طارق. الماضي؟ الماضي بقى مجرد صفحة مطوية. الخوف؟ الخوف انتهى لما عرفت إني مش لوحدي، وإن فيه رب كريم بيحمي اللي بيحمي الضعفاء. شهد قامت وقفت على رجليها -بمساعدة العكاز- وجت ناحيتي بخطوات واثقة. — "بحبك يا ميمي." كلمة واحدة كانت كفيلة تمسح كل الوجع، كل الليالي اللي قضيتها خايفة، وكل الدموع اللي نزلت. بدأت حياتي من جديد، بس المرة دي، كنت أنا اللي بكتب فصولها، وبإيدي، وبإيد شهد، كملنا الطريق. مش كل نهاية قصة هي حزن، أحياناً، بتكون البداية الحقيقية لكل حاجة حلوة بنستناها. والحقيقة اللي اتعلمتها، إن مهما الدنيا قست علينا، بيفضل فيه "أمل" صغير، لو تمسكنا بيه، يقدر يغير كل حاجة. **هل يا ترى يا مريم، بعد كل اللي مريتي بيه، ناوية تسمحي لنفسك بفرصة تانية في الحب والحياة، ولا قلبك لسه قافل بابه بعد تجربة أحمد؟**