ساعدني

ساعدني رجل مشرد في تغيير إطار سيارتي على طريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي… لكن ما تركه على المقعد المجاور جعلني أسقط على ركبتي من الصدمة.
كان عمري خمسين عامًا.
ومنذ عشرين سنة كاملة، اختفى ابني “يوسف” على هذا الطريق نفسه
كان عمره وقتها سبع سنوات فقط.
كنا متوقفين في استراحة صغيرة بالقرب من وادي النطرون في صيف 2006.
تركت يده لثوانٍ معدودة وأنا أشتري له زجاجة سبرايت من الكشك.
التفتُّ إليه…
فلم أجده.
اختفى.
كأنه تبخر في الهواء.
بحثت الشرطة أيامًا وليالي.
ثم أسابيع.
ثم شهورًا.
وبعدها تحولت القضية إلى ملف قديم فوق رف مليء بالغبار
أما أنا…
فلم أعد كما كنت أبدًا.
توقفت عن المرور بهذا الطريق بعد أول ذكرى لاختفائه.
كنت أشعر أن الهواء يختنق داخل صدـ,,ـــري كلما اقتربت من المكان.

لكن يوم الثلاثاء الماضي…

أعاد تطبيق الخرائط توجيهي عبر الطريق نفسه بسبب ازدحام شديد داخل القاهرة.

كنت على بعد عشرات الكيلومترات فقط من مكان اختفاء يوسف عندما انفجر الإطار الخلفي لسيارتي فجأة.

توقفت على جانب الطريق.

وجلست أبكي.

ليس بسبب الإطار.

بل بسبب عشرين سنة من الوجع.

عشرين سنة من الأسئلة التي لم تجد إجابة.

وفجأة…

خرج رجل من بين أشجار الكافور القريبة.

كان يرتدي ملابس ممزقة وقديمة.

ولحيته طويلة.

ويداه خشنتان كأنهما مصنوعتان من الجلد.

لم يسأل الكثير.

اكتفى بهزة رأس قصيرة.

ثم بدأ يغير الإطار وكأنه فعل ذلك ألف مرة من قبل.

راقبته بصمت.

وبعد دقائق انتهى.

مسح يديه في بنطاله القديم.

ثم رفع رأسه ونظر إليّ.

وكانت في عينيه كمية حزن لم أرَ مثلها في حياتي.

ثم قال بهدوء:

“خلي بالك من نفسك يا أم يوسف.”

تجمد الدم في عروقي.

لم أخبره باسمي.

ولم أخبره أن لدي ابنًا اسمه يوسف.

بل لم أتحدث معه أصلًا إلا بكلمات معدودة.

قبل أن أستوعب ما قاله…

استدار ومشى عائدًا نحو الأشجار.

اختفى بين الظلال.

وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.

ركبت سيارتي وأنا أرتجف.

وحين التفتُّ نحو المقعد المجاور…

شهقت.

كانت هناك صورة قديمة موضوعة فوق المقعد.

صورة بولارويد باهتة.

تاريخها: 2006.

طفل صغير يرتدي قميصًا أحمر.

ويبتسم للكاميرا.

يوسف.

ابني.

أنا متأكدة.

لكن الغريب…

أنني لم أرَ هذه الصورة طوال حياتي.

قلبت الصورة بيد مرتعشة.

فوجدت على الإطار الأبيض عنوانًا مكتوبًا بخط يد مهزوز.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *