ساعدني
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أصفعه.
صفعة واحدة.
لكنها حملت عشرين سنة.
لم يدافع عن نفسه.
لم يرفع يده.
فقط بكى.
قال:
“استاهل. والله أستاهل أكتر. بس اسمعيني. أنا ماكنتش أعرف إنهم خاطفينه. قالوا لي ابن واحد من العيلة، تعبان، ولازم ننقله بسرعة. ولما سمعت صراخه في المخزن بعد يومين، عرفت. عرفت إن الطفل مش ابنهم. دخلت عليه لقيته مربوط وخايف وبيعيط وبيقول: عايز ماما أمينة.”
انهرت.
لم تعد الدموع تنزل فقط، بل كانت تخرج من روحي.
“ليه ما رجعتوش؟”
قال إبراهيم:
“حاولت. أقسم بالله حاولت. بس كانوا مراقبيني. ولما هربت بيه أول مرة قبــ,,ـــــضوا عليا وضــ,,ـــــربوني لحد ما كسروا ضلوعي. هددوني بمراتي وبنتي. وبعد العملية، عرفت إنهم هي.وه. فهربت بيه تاني.”
رفعت رأسي.
“إنت اللي أنقذته؟”
قال:
“أنقذته من المــ,,ـــــوت، بس ماقدرتش أرجعهلك.”
“ليه؟”
نظر إلى اللواء حسن.
“لأن لما رحت أسلم نفسي وأقول الحقيقة، قابلت الضابط حسن وقتها. قلت له كل حاجة. قلت له مكان الطفل. لكنه قال لي إن القضية أكبر، وإن لو ظهرت الحقيقة دلوقتي الطفل هيت. وأنا وعيلتي هنت.، وإنتي كمان ممكن تختفي.”
اللواء حسن قال بوجع:
“كنت ضابط صغير. الملف اتسحب من إيدي. اتبلغت رسميًا إن الطفل مات. ولما إبراهيم جالي، حاولت أفتح الموضوع. اتنقلت، اتهددت، واتقال لي إن أي حركة هتكون نهايتها جــ,,ـــــثه يوسف على باب بيت أمه.”
نظرت إليه باشمئزاز.
“فاخترت تسكت.”
“اخترت أراقب.”
ضحكت بسخرية دامعة.
“تراقب ابني يكبر بعيد عني؟”
قال:
“حطيت ناس حواليه. نقلناه لأماكن آمنة. إبراهيم عاش متشرد علشان يفضل قريب منه. كل مرة كانوا يقربوا منه، كنا نهربه.”
صوت إبراهيم خرج كالحشرجة:
“يوسف كبر وهو فاكر اسمه آدم. لكن ذاكرته فضلت ترجعه للطريق. للطريق ده. للاستراحة. ليكي.”
سألته:
“هو عرف الحقيقة؟”
أومأ ببطء.
“من خمس سنين.”
أغمضت عيني.
خمس سنين.
ابني عرف أن له أمًا تنتظره.
ولم يأتِ.
لماذا؟
كأن إبراهيم قرأ سؤالي.
قال:
“كان جاي. والله كان جاي. بس قبل ما يوصل، اتخطف تاني.”
تجمد الدم في عروقي.
“إيه؟”
أخرج من الملف صورة حديثة.
رجل شاب في أواخر العشرينات، وجهه نحيف، لحيته خفيفة، عيناه واسعتان.
لم يكن الطفل الذي فقدته.
لكنه كان يوسف.
رأيته.
رأيت زوجي في حاجبيه.
رأيت نفسي في عينيه.