ساعدني

لم أستطع إكمالها.

قال إبراهيم بسرعة:

“حي. يوسف عنيد. عنده قلبك.”

نظرت من النافذة إلى الظلام.

كل الأمهات يقلن إنهن يعرفن أبناءهن.

لكنني كنت على وشك مقابلة رجل لا أعرف طعامه المفضل، ولا صوته حين يغضب، ولا شكل نومه، ولا الندوب التي تركتها الحياة على جسده.

كنت أعرف فقط الطفل الذي ترك يدي عند كشك صغير.

هل يكفي هذا لأكون أمه؟

ثم تذكرت صوته في التسجيل.

“ماما.”

نعم.

يكفي.

بعد ساعة تقريبًا، توقفنا قرب منزل صغير مهجور على حافة طريق جانبي.

قال اللواء حسن:

“هنقعد هنا لحد الفجر. بعدها نتــ,,ـــــحرك.”

رفضت فورًا.

“لا. دلوقتي.”

قال بحدة:

“أمينة، أي غلطة هتكلفنا يوسف.”

صمتُّ.

لأول مرة أقبل الانتظار.

ليس ضعفًا.

بل لأنني تعلمت تلك الليلة أن الأمومة ليست دائمًا صراخًا واندفاعًا. أحيانًا تكون أن تعضي على قلبك حتى لا تضيعي ابنك مرة أخرى.

دخلنا المنزل الصغير.

كان خاليًا إلا من مرتبة قديمة وكرسيين وزجاجات مياه.

جلس إبراهيم قرب الباب يراقب الطريق.

اللواء حسن جلس في زاوية يضمد جرحه بقطعة قماش.

أما أنا فجلست على الأرض.

فتحت كفي.

السلسلة تركت أثرًا أحمر في جلدي.

رفعتها إلى شفتي وقبلتها.

لأول مرة منذ عشرين عامًا، شعرت أن يوسف قريب.

قريب جدًا.

لكن الخوف كان أقرب.

بعد منتصف الليل بقليل، سمعت صوتًا خافتًا من هاتف إبراهيم.

رسالة.

قرأها.

ثم توقف وجهه.

قام ببطء.

اللواء حسن سأله:

“مين؟”

إبراهيم لم يجب.

اقتربت منه.

“في إيه؟”

ناولني الهاتف.

كانت الرسالة من رقم مجهول.

بها صورة.

صورة يوسف.

كان جالسًا على كرسي، وجهه متعب، وجرح فوق حاجبه.

لكنه حي.

عيناه مفتوحتان.

وفي يده ورقة كتب عليها:

“لو عايزة تشوفي ابنك، تعالي لوحدك قبل الفجر.”

وتحتها موقع.

ثم رسالة أخرى وصلت بعدها مباشرة.

“لو حسن الشناوي أو إبراهيم قربوا، هتستلمي جثته.”

لم أصرخ.

لم أبكِ.

لم أتحرك.

فقط نظرت إلى صورة ابني.

ثم رفعت رأسي إلى الرجلين.

قال اللواء حسن فورًا:

“فخ.”

قال إبراهيم:

“أكيد فخ.”

أجبت بهدوء غريب:

“عارفة.”

قال اللواء:

“مش هتروحي.”

نظرت إليه.

“أنا أم يوسف.”

قال إبراهيم:

“ويوسف محتاجك عايشة.”

اقتربت منهما خطوة.

“يوسف محتاج يعرف إن أمه جت. حتى لو الدنيا كلها وقفت بينها وبينه.”

لم يقولا شيئًا.

في عينيهما رأيت الحقيقة.

كانا يعرفان أنني سأذهب.

كما يعرفان أن لا قوة في الأرض تستطيع منع أم رأت ابنها بعد عشرين سنة خلف شاشة هاتف من أن تركض إليه ولو كان الطريق مفروشًا بالمــ,,ـــــوت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *