ساعدني

رأيت ضحكته الصغيرة رغم الحزن الذي يغطي وجهه.

أمسكت الصورة وضممتها إلى صدـ,,ـــري.

“ابني.”

لأول مرة منذ عشرين سنة لم أقلها كنداء في الفراغ.

قلتُها كحقيقة.

ابني.

حي.

مكان ما تحت السماء.

يتنفس.

ربما خائف.

ربما مجروح.

لكنه حي.

وقفت فجأة.

“فين هو؟”

قال اللواء حسن:

“آخر مكان وصلنا له مزرعة مهجورة على أطراف البحيرة. كانت تابعة لعائلة السيوفي زمان.”

قلت:

“نروح دلوقتي.”

هز رأسه.

“ماينفعش.”

اقتربت منه بعينين لم تعرفا الخوف.

“أنا ما سألتكش ينفع ولا ماينفعش.”

قال إبراهيم:

“المكان متراقب. وفيه ناس مسلحة. ولو دخلنا غلط، يوسف يمــ,,ـــــوت.”

اسم يوسف مع كلمة يمــ,,ـــــوت جعلني أسكت.

لم أكن خائفة على نفسي.

كنت مستعدة أن أمشي فوق النــ,,ـــــار.

لكنني لم أكن مستعدة أن أخسره مرة ثانية بسبب اندفاعي.

سألت:

“عايزين مني إيه؟”

تبادل الرجلان النظرات.

ثم قال اللواء حسن:

“يوسف ساب رسالة ليكي.”

أخرج جهاز التسجيل من على المكتب.

ضغط زر التشغيل.

خرج صوت تشويش أولًا.

ثم صوت رجل شاب.

صوت مبحوح، متردد، لكنه اخترقني من أول حرف.

“ماما…”

توقفت الدنيا.

سقطت يدي على فمي.

الصوت أكمل:

“مش عارف إذا كنتي هتسمعي ده ولا لأ. ومش عارف إذا كنتي لسه فاكراني بنفس شكل الولد اللي ضاع منك. أنا مش فاكر كل حاجة، بس فاكر إيدك. فاكر ريحة هدومك. فاكر إنك كنتي بتقولي لي لما أخاف: عد لحد عشرة وهتلاقي الخوف صغر.”

كنت أبكي بلا صوت.

“أنا عديت كتير يا ماما. عديت سنين. بس الخوف ماصغرش. أنا آسف إني ما رجعتش بدري. آسف إني كبرت بعيد عنك. آسف إنك تعبتي بسببي. بس لو وصلتك الرسالة دي، اعرفي إني حاولت. وإني عمري ما نسيتك. وإني كل مرة كنت ببص فيها في المراية كنت بسأل نفسي: يا ترى ماما هتعرفني؟”

صرخت من قلبي:

“هعرفك يا حبيبي. هعرفك.”

الصوت أكمل:

“في ناس ماتت علشاني. وناس باعت ضميرها. وناس لسه عايزة تخلص من الحقيقة. بس أنا مش خايف أمــ,,ـــــوت. أنا خايف أمــ,,ـــــوت قبل ما أشوفك.”

توقف التسجيل لحظة.

ثم عاد صوته أهدأ:

“لو رجعتلك، ماتسيبينيش تاني. ولو ما رجعتش… سامحيني.”

انتهى التسجيل.

ولم ينتهِ شيء داخلي.

وقفت وأنا لا أرى أمامي من الدموع.

قلت:

“أنا رايحة له.”

قال اللواء حسن:

“هنروح. بس بخطة.”

في تلك اللحظة رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة فظهر عليه توتر لم يستطع إخفاءه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *