ليلي

ليلى وقفت على قالب طوب في وسط الجنينة، وطلعت ورقة وقرأت منها كلمة كانت كاتباها بنفسها: — “شكراً لأنكم صدقتوني.. الأطفال بيقولوا الحقيقة حتى وهم خايفين. ولازم الكبار يسمعوهم أسرع من كدة.”

القاعة أو الجنينة كلها سكتت للحظة.. كلامها لمس قلب كل واحد واقف. وبعدين الكل بدأ يسقف بحرارة. سلمى عيطت من فرحتها وقلبها اللي ارتاح، وأنا كمان دموعي نزلت.

بعدين، لما كل الضيوف مشيوا والشمس بدأت تغيب ورا الشجر، قعدنا إحنا التلاتة في جنينة اللافندر، بناكل باقي التورتة في أطباق ورق. ليلى ميلت راسها وسندت على كتفي: 

— “بابا؟” — “نعم يا قلب بابا؟” 

— “هو إحنا كدة خفينا وبقينا سُلام؟”

فكرت في الكلمة.. كلمة “سُلام” أو “خفينا تماماً” دي كلمة واسعة أوي، وبتبان زي فازة مكسورة لزقوها كويس أوي لدرجة إن مفيش حد شايف الشروخ.. بس إحنا مكنّاش كدة. إحنا كنا حتت مجروحة ومتبهدلة، بس اتعلمت إزاي تقف في الشمس وتعيش. إحنا كنا بيت دخل فيه حريق، بس نِجي منه وبنى حيطان أقوى وأمتن من الأول. إحنا كنا عيلة بطلت تقتنع إن “السكوت والخنوع” هو نفسه “الأمان”.

قولت لها بالراحة وأنا بطبطب عليها: “لا يا حبيبتي.. إحنا مخفيناش بنسبة مية في المية.. بس إحنا بنِبرا وبنتعافى.” ليلى هزت راسها: “وده أحسن بكتير من إننا نستخبى ونخاف.” سلمى مدت إيدها ومسكت إيدي: “أيوه يا ليلى.. أحسن بكتير فعلاً.”

بصيت لمراتي، وبعدين لبنتي، وبعدين لورد اللافندر وهو بيتحرك بالراحة مع نسمة الهوا بتاعة الليل. نورا كانت بتحاول تخلي الوجع هو الميراث اللي بنستلمه.. كانت عايزة تنقل الخوف من الأم للبنت، ومن البنت للحفيدة، كأنه حتة دهب أو ورث عيلة أسود وملعون بيتنقل عبر الأجيال. بس السلسلة دي انكسرت خلاص.. منكسرتش في هدوء. ولا منكسرتش بالذوق والأدب. ولا من غير ما تسيب فينا علامات وشروخ.. بس المهم.. إنها انكسرت.

وفي مكانها، إحنا بنينا حاجة هي عمرها في حياتها ما هتعرف تفهمها ولا هتدخل دماغها.. بنينا بيت.. الحقيقة فيه مش اتهام ولا بتتعاقب عليها. بنينا عيلة.. الحب فيها مبيعلّمش على الظهر ولا بيسيب كدمات. بنينا مستقبل.. بنتي تقدر تسرح فيه شعرها بالطريقة اللي تعجبها، وعمرها ما هتخلط تاني في حياتها بين “الخوف” وبين “الاحترام”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *