ورا كل باب حكاية بقلم الكاتبة نرمين عادل همام الجزء الاول أول علامة شفتها على ضهر بنتي "ليلى" كانت على شكل كف إيد.. لا هي وقعت وهي بتلعب في النادي، ولا خبطة زرقاء من وقعة عجلة.. لا، دي كانت إيد! خمس صوابع باهتين مرسومين تحت لوح كتفها، مستخبيين تحت طرف جاكت البيجامة، وكأن فيه حد كان بيحاول "يكتم" صرختها جوه جلدها. شفتها الساعة 8:17 ليلة السبت، وليلى بنتي اللي عندها 6 سنين قاعدة على طرف السرير، حاضنة دبدوبها القديم بكل قوتها، وعين واحدة من عيون الدبدوب كانت مدلدلة ومكسورة. همست لي وصوتها بيترعش: — "بابا.. وحياتي عندك ما تقول لتيتا إني قولتلك حاجة." البيت حواليا سكت فجأة.. سكات مرعب. في المطبخ، صوت غسالة الأطباق وهي بتونّ كان هو الحاجة الوحيدة اللي مسموعة. وبرا، كان شباك "الأوضة اللي في المنور" منور بنور أصفر دافي.. هناك كانت حماتي، "نورا اصلها غريبة تحسنا شغالين عندها حاجة كدا ارستقراطية تخنق الواحد "، قاعدة غالباً بتتفرج على مسلسل ديني أو بتطبق الغسيل بإيدين هادية.. الإيدين اللي الكل في الحتة بيحلف ببركتها وبيقولوا عليها "الست الطيبة اللي مابتسيبش السجادة". مراتي "سلمى" كانت لسه في المستشفى بتخلص وردية تمريض 12 ساعة. وأنا كنت قاعد على ركبي في أوضة ليلى، عيني في عين الكدمة اللي قسمت حياتي لنصين.. نص قبل اللحظة دي، ونص بعدها. — "ليلى.." قولت الكلمة بحذر عشان صوتي كان هيتحول لزئير، "مين اللي عمل كدة؟" عينيها اتملت دموع في ثانية، وكأنها كانت شايلة السد ده طول اليوم ومستنية اللحظة دي. — "كنت بتشقى وهي بتسرحلي شعري وبتعملي الضفيرة.. قالتلي الهوانم مابيتنططوش، والوجع ده عشان أتعلم الأدب." حسيت بقلبي بيقع في حتة مكنتش أعرف إنها موجودة أصلاً. — "تيتا هي اللي ضربتك؟" كتاف ليلى الصغيرة انكمشت لجوه، ماردتش.. والسكوت ده كان أنيل من أي رد. رفعت قميصها من ورا بالراحة، وبقيت بكتشف الباقي.. خريطة وجع! كدمات بكل الألوان.. صفراء بتبتدي تختفي عند ضلوعها، وخضراء على طول ضهرها، وأرجواني لسه طازة يخلي المعدة تتقلب. فيه علامات كانت خطوط رفيعة.. باين إنها من "يد مقشة" أو "مسطرة". وكلها كانت في أماكن مستخبية تحت الهدوم. الموضوع مكنش "يوم وفات".. ده كان "نظام"! بنتي كانت بتتأذى جوه بيتي، على بعد خطوات من مطبخي، وصور فرحي، والبيانو اللي مراتي كانت بتعزف عليه وهي صغيرة.. وأنا، يا خيبتي، مكنتش شايف! — "من إمتى يا ليلى؟" سألتها وأنا بحاول أمسك أعصابي. ليلى بلعت ريقها: "من ساعة ما تيتا جت تعيش معانا." يعني عشر شهور! عشر شهور وأنا بضحك في وش الست اللي كانت بتهري جسم بنتي. عشر شهور وأنا شايف " نورا" وهي بتملس على شعر ليلى، وتعدل لها وقفتها، وتقطع لها الأكل حتت صغيرة، وبتقول بكل برود: "العيل اللي يتربى بالشدة، يطلع راجل ويتحب." عشر شهور، وبنتي بتتعلم إزاي تقتل ضحكتها عشان ماتعلاش وتزعج "تيتا". نزلت قميصها وخدتها في حضني براحة جداً، خايف ألمس ضهرها. كانت بترتعش في حضني. — "هو أنا وحشة يا بابا؟" سألتني بكسرة قلب. كنت هنهار.. بس مسكت نفسي: "لا يا روح قلب بابا.. إنتي زي الفل. هي اللي غلط، واللي عملته ده جريمة." — "بس هي قالتلي إن ماما هتزعل أوي لو عرفت.. وقالتلي إن ماما بتحبها هي أكتر عشان دي أمها." الجملة دي وجعتني أكتر من الكدمات.. ورتني السجن اللي مراتي كانت عايشة فيه قبل ما أقابلها بكتير. "سلمى".. اللي بتعتذر لأي حد يخبط فيها في الشارع. سلمى اللي بتترعب لو البيت مكركب وأمها جات زيارة. سلمى اللي بتتعامل مع الدم والموت والحوادث في شغلها بقلب حديد، بس بتتحول لعيّلة خايفة أول ما "نورا" تنطق اسمها بالصوت الواطي المستفز ده. كنت فاكر مراتي "قلوقة" بطبعها.. مكنتش أعرف إنها "متدربة" على الخوف! طلعت موبايلي وصورت كل علامة وإيدي بتترعش. نيمت ليلى وفضلت قاعد جنبها لحد ما نفسها هدي ونامت. الساعة 9:42، سلمى رجعت البيت. دخلت المطبخ وريحتها مطهر ومطر، وشعرها متبهدل من تعب اليوم. — "أهلاً يا كريم،" قالت بضعف، "ماما بعتت لي رسالة بتقول إن ليلى كانت شقية وتعبت أعصابها النهاردة.. إيه اللي حصل؟" بصيت لمراتي، وللحظة، عرفت إن الحقيقة اللي هقولها دي ممكن تهد البيت كله على دماغنا. — "سلمى.. اقعدي." ضحكت بتوتر: "في إيه يا كريم؟ قلقتني!" — "لازم تشوفي حاجة." لما فرجتها على الصور، وشها مابقاش فيه نقطة دم.. ملامحها اتخطفت. همست: "يا نهار أسود! هي وقعت؟ حد عمل فيها كدة في المدرسة؟" — "أمك هي اللي عملت كدة." سلمى بصت لي وكأني ضربتها قلم على وشها. — "لا.. مستحيل." — "ليلى هي اللي قالتلي." — "لا يا كريم، أكيد فاهم غلط." — "بتقولي ليلى بتضربها وهي بتسرحلها، وبتنقي أماكن مابتظهرش فيها العلامات.. قوليلي يا سلمى، كانت بتعمل فيكي إنتي كمان كدة، صح؟" في اللحظة دي، سلمى كتمت نفسها.. شفت حرب عالمية تالته ورا عينيها. الزوجة ضد الأم، والابنة اللي جواها بتصرخ. الحقيقة المرة ضد "الستارة" اللي كانت عايشة وراها طول عمرها. حطيت الموبايلي على التربيزة ووقفت. — "ماتعملش كدة!" قالت وهي بتترعش، "ماتحاولش تقويني على أمي!" — "أنا بحمي بنتنا يا سلمى!" — "أنت بتتهم الست اللي ربتني وسهرت عليا؟" — "أنا بتهم الست اللي علّمت على ضهر بنتي بكرباج قسوتها!" سلمى حطت إيدها على بوقها، وصوتها مابقاش فيه غضب.. بقى فيه رعب "حقيقي": — "لو كلامك صح.." همست بكسرة، "يبقى كل اللي فاكراه عن طفولتي مكنش كوابيس.. كان حقيقة." سلمى منامتش الليلة دي، وأنا كمان. قعدنا على طرفين الكنبة والبيت كله كان بيتنفس حوالينا بسكات يخوف. كل تكة في الخشب كانت بتهيأ لسلمى إن "نورا" صاحية وماشية في الطرقة، كل رنة موبايل كانت بتخليها تتنفض. الساعة 2:13 بعد نص الليل، سلمى نطقت أخيراً وهي باصة للفراغ: — "لما كان عندي سبع سنين، ماما حبستني في ضلفة الدولاب عشان دلقت عصير على فستانها اللي كانت هتروح بيه فرح خالي. " سكت.. مكنش فيه كلام يتقال. — "قالت لي إن البنات المؤدبات مابيعملوش كوارث.. وسابتني هناك لحد ما الدنيا ليلت. فاكرة إني كنت بخربش في الخشب بضوافري، بس بطلت لما قالت لي إن العياط بيخلي وشي وحش ومحدش هيحبني." شفايفها كانت بترتعش: "قنعت نفسي إن ده 'تربية'." قربت منها شوية: "سلمى.." — "كانت بتعملي ضفيرتي هي كمان،" همست بوجع، "كانت بتشد شعري قوي لدرجة إن فروة راسي كانت بتتحرق. ولو اتحركت بس، كانت تلطشني بكف إيدها بين كتافي.. دايماً في الحتة دي، اللي مبيشوفهاش حد." وفجأة، سلمى وطت راسها وطلعت صرخة مكتومة.. صوت طفلة لسه حالا مكتشفة إن مفيش حد جه ينقذها من سنين. خدتها في حضني وهي بتنهار، كانت بتعتذر لـ "ليلى"، ولنفسها، وللبنت الصغيرة اللي ضاعت جوه السجن ده. مع أول ضوء للصبح، ليلى دخلت الصالة بتجر دبدوبها، شافت عيون أمها المنفوخة واتسمرت. — "ماما.. إنتي زعلانة مني؟" سلمى نزلت على ركبها في ثانية: "لا يا روح قلب ماما.. أنا اللي حقك عليا." ليلى اترمت في حضنها.. ودي كانت أول مرة أشوف فيها مراتي بتختار بنتنا وبترمي خوفها ورا ضهرها. الساعة 7:04، جرس الباب رن. جسم ليلى اتخشب. من الشباك شفت "نورا" واقفة بطقم الخروج الشيك وصينية الرقاق، الست اللي الحتة كلها بتقول عليها "ملاك". فتحت الباب، كانت بتبتسم بس عينيها بتدور ورايا بفضول: "صباح الخير يا كريم. عملت لكم فطار سخن.. فين بناتي؟" — "ليلى تعبانة شوية." ابتسامتها ضاقت: "طب هدخل أشوفها." — "لا." الكلمة نزلت زي الحجر. برقت لي بذهول: "أفندم؟" — "بقول محتاجة ترتاح." — "أنا جدتها يا كريم!" — "وأنا أبوها." لأول مرة نورا بصت لي بجد: "إيه اللي جرى لك يا كريم؟" وطيت صوتي: "إنتي اللي تقوليلي.. إيه اللي جرى؟" ملامحها اتغيرت، مش ندم، دي كانت "حسبة" في دماغها: "مش فاهمة تقصد إيه." — "لا.. فاهمة كويس." بصينا لبعض بتحدي، وسمعت صوت سلمى حاضنة ليلى على السلم. نورا ميلت راسها: "أنت طول عمرك بتاع دراما ومخرج، وشغل الوثائقيات ده خلاك تشوف وحوش في كل حتة." — "وإنتي طول عمرك بتراهني إن الناس تفتكر 'التحكم' هو 'حب'.. بس الرهان خسر." صوابعها اتشدت على الصينية: "عايزة أكلم بنتي." — "مش دلوقتي." — "قولت لك عايزة أكلم سلمى!" — "هي اللي هتكلمك لما تكون مستعدة." وش نورا اتغير تماماً، الخطوط الحنينة اختفت وظهر الوش الحقيقي: "أنت بتغلط غلطة عمرك." — "لا،" قولت لها ببرود، "أنا غلطت قبل كدة لما وثقت فيكي." قفلت الباب في وشها ورزعت الترباس. سلمى كانت بتترعش على السلم: "هي عرفت.." هزيت راسي: "دلوقتي لازم نثبت كل حاجة بالورقة والقلم." قبل ما ليلى تفطر، كلمنا دكتورة "مريم"، دكتورة أطفال سلمى بتثق فيها جداً. سلمى حكت لها بصوت مهزوز إننا محتاجين فحص خاص، الدكتورة مسألتش عن تفاصيل، قالت بس: "هاتوها لي البيت الساعة 12." بعدها كلمت "شيكو". شيكو كان المصور بتاعي من 5 سنين لما كنت بعمل أفلام وثائقية عن الفساد. راجل جدع، وفي، ومبيحبش الظلم. — "كريم بيه!" رد بحماس، "قلي إنك هترجع تصور تاني." — "بشكل ما يا شيكو، بس الموضوع شخصي المرة دي. " لما حكيت له عن ليلى، الخط سكت تماماً، وبعدها قال بصوت مرعب: "اديني الأسامي." — "نورا . كانت عايشة في كذا محافظة قبل ما تيجي هنا. جوزها مات في حادثة سنة 97، سلمى شاكة إن كان فيه كلام وقتها." — "ابعتلي كل اللي عندك.. وفي هدوء." — "يا صاحبي، الهدوء ده هو اللي بنصطاد بيه التعابين." واحنا رايحين للدكتورة، سلمى بصت في المراية وشها اصفر: "ماما ماشية ورايا بالعربية." بصيت في المراية، فعلاً عربيتها كانت ورانا بـ عربيتين. ركزت تمام: "امسكي نفسك." دخلت مول، ومنه لـ ممر خلفي، ولفيت ورا صيدلية وبنزينة، ولما رجعنا الطريق الرئيسي كانت تاهت مننا. ليلى همست من ورا: "تيتا زعلانة؟" بصيت لها في المراية: "أيوه يا حبيبتي، بس زعلها ده مابقاش يخصنا ولا يخصك." في بيت الدكتورة، ليلى قعدت بشجاعة وهي بتتكشف عليها. الدكتورة مريم كانت بتصور كل كدمة وعينيها بتسودّ من الغضب. لما خلصت، طلعت لنا في الطرقة. — "ده تعذيب،" قالتها بصرامة، "دي مش خبطات ملعب ولا شقاوة.. ا للي عمل كدة عارف بيوجع فين وبيداري فين." سلمى غطت وشها بإيدها. — "أنا قانوناً لازم أبلغ حماية الطفل،" الدكتورة كملت. — "تمام،" قولت لها، "وده اللي إحنا عايزينه." بصت لي الدكتورة مريم بجدية: "لازم تفهموا حاجة.. الناس اللي بتمارس الأذى جوه العيلة بلسانهم حلو وبيرتبوا كلامهم، خصوصاً لو ست كبيرة وليها سمعة طيبة. ممكن تقلب الطرابيزة عليكم." — "هي عملت كدة فعلاً،" سلمى همست. — "يبقى لازم يكون معاكم دليل قاطع يخرس الكل." بصيت لتقرير الدكتورة، وبصيت لـ بنتي ليلى اللي قاعدة في الأوضة التانية خايفة.. وقولت لنفسي: "الدليل ده هييجي، وأنا عارف إزاي." "شيكو" بعت أول ملف الساعة 6:06 صباح يوم الإثنين. فتحت اللابتوب والبيت لسه غرقان في الضلمة، وكوباية القهوة بتبرد جنبي. "نورا" مواليد قرية صغيرة سنة 1964. أبوها مات في انهيار ، وأمها ماتت بعدها بسنين بعد ما الجيران بلغوا عن إهمال طبي وحالة "تجويع". اتجوزت "رجب" سنة 1986، ورجب مات سنة 1997 بعد ما وقع من فوق "سقالة" في موقع بنا في مدينة تانية. ثلاث سطور في التقرير خلوا الدم يتجمد في عروقي: قبل موت رجب بست شهور، "نورا" كانت عاملة له بوليصة تأمين إضافية على حياته بمبلغ ضخم. كان فيه بلاغين "اهمال طفل" ضدها سنة 1995. البلاغين اتقفلوا بعد ما "سلمى" وهي طفلة رفضت تعترف إن أمها بتضربها. كان فيه اسم واحد متكرر في البلاغات دي: "نجاة". أخت رجب.. عمة سلمى. شيكو عرف يوصل لها، كانت عايشة في إسكندرية ومغيرة حياتها كلها. كلمتها فوراً. أول ما عرفتها بنفسي، نجاة سكتت تماماً.. وبعدها سألتني سؤال واحد: — "هي مدت إيدها على بنتك؟" مسألتش "إيه اللي حصل؟" ولا "سلمى عاملة إيه؟". كانت عارفة كويس أوي الست دي نوعها إيه. — "أيوه،" قولت لها، "بنتي ليلى." نجاة طلعت نفس طويل وكأنها كانت كاتمة نفسها من 29 سنة. — "حاولت أوقفها،" قالت بمرارة، "والله حاولت." حكت لي عن سلمى وهي صغيرة.. عن حبسها في الدواليب، عن وقوفها وشها للحيط لحد ما رجليها تترعش، عن الكدمات المستخبية تحت الكمام وفي الظهر اللي كانت بتدارى بكلمة "أصلها شقية، أصلها وقعت". — "ورجب؟" سألتها. صوت نجاة بقى حاد: "أخويا كان بيخاف من المرتفعات.. مكنش ينفع أبداً يطلع فوق السقالة دي." — "أمال طلع ليه؟" — "عشان فيه حد كلم مدير الموقع قبل ما يموت بيوم، وادعت إنها مراته، وقالت إن رجب عايز الشغل الصعب اللي فيه خطر عشان الفلوس أحسن." حسيت الأوضة بتلف بيا: "نورا؟" — "معنديش دليل.. بس قلبي قايلي. " نجاة حاولت تبلغ بعد الجنازة، بس "نورا" صورتها قدام الكل إنها أخت جوز طماعة وعايزة تلطش تعويض الوفاة. في شهور، نجاة بقت منبوذة ومحدش بيصدقها واختفت من حياة سلمى. — "هي ده نظامها،" نجاة كملت، "بتدبح الناس في السر، وتلبس وش الحزن والتقوى في العلن." تابع للجزء الثاني الجزء الثاني ورا كل باب حكاية للكاتبة نرمين عادل همام على الظهر، شيكو كان وصل لستتين كمان: جارة قديمة كانت كاتبة في مذكراتها عن صوت عيال بتصرخ جوه بيت . وصاحبة حضانة قالت إنها طردتها بعد ما لقت طفل متربط في سريره وقت القيلولة. الخيط واصل لورا بقاله سنين. لما ورّيت سلمى الملف، قعدت على تربيزة المطبخ تقرأ في سكات.. سكات مرعب. بعدها قالت: "كان فيه ولد." سكت ومستنيها تكمل. — "اسمه 'هاني'.. مامته كانت تعبانة وبات عندنا في الاجازة وأنا عندي 9 سنين. فاكرة صوته وهو بيعيط بالليل.. وتاني يوم الصبح كان وشه مزرق وعينه ورمة." إيدها اتكورت وبقت قبضة: "أمي قالت إنه وقع في الحمام. إنتي كنتي طفلة يا سلمى." — "سكتت.." — "كنتي بتحاولي تنجي بنفسك." بصت لي، وشفت نار الغضب بدأت تحرق ستارة الوجع اللي في عينيها. — "أنا مابقتش عايزة 'أنجو' منها.. أنا عايزة أنهي الكابوس ده." الساعة 3:30، "من القسم " وصلت. االاخصائية برتبه ملازم "دينا" دخلت بوش جامد، واضح إنها شافت بلاغات كذب كتير بين القرايب. كانت ذوق بس شاكة في كل كلمة. طلبت تقعد مع ليلى لوحدها. بعد نص ساعة، دينا طلعت من أوضة ليلى وهي عاضة على شفايفها ومنفعلة: — "أنا محتاجة أفتش 'أوضة المنور' (بيت الضيافة)." نورا فتحت الباب بابتسامة مكسورة ومصطنعة: — اتفضلي يا حبيبتي.. أنا مش فاهمة إيه الدراما اللي عيالي عاملينها دي!" دينا بدأت تدور.. الأوضة كانت مثالية. مفارش دانتيل، صور عائلية، سبحة ومصحف على التربيزة، وريحة بخور وفل. وفجأة دينا فتحت درج المطبخ.. وطلعت "معلقة خشب" كبيرة وتقيلة. وفي درج المكتب، لقت "مسطرة حديد" حوافها غامقة. وفي ضلفة الدولاب.. "حزام جلد". نورا ضحكت ببرود: "هي أدوات المطبخ بقت غير قانونية اليومين دول؟ " دينا رفعت المسطرة: "ليلى وصفت دي بالظبط." ابتسامة نورا اختفت في ثانية. — "العيال بيألفوا." سلمى دخلت الأوضة ووقفت قدامها: "والأمهات كمان بيكذبوا." نورا لفت لها بالراحة. سلمى كانت شاحبة، بس عينيها مابقتش بتهرب. — "حبستيني في الدواليب،" سلمى قالت بصوت ثابت، "ضربتيني في أماكن مبيشوفهاش حد.. قولت لي إن الوجع هو اللي بيخليني مؤدبة. خليتيني أخاف من تفكيري." نورا بصت لبنتها بجمود.. وبعدها قالت: — "بعد كل اللي ضحيت بيه عشانك.. ده رد الجميل؟" — "لا،" سلمى ردت، "ده مش رد جميل.. ده 'الفرامل' اللي هتوقفك عند حدك." لثانية، محدش اتنفس. وفجأة، نورا هجمت على سلمى بكل قوتها. وقفت في النص قبل ما تلمسها، ودينا طلبت البوليس فوراً. وش نورا اتشوه من الغل: "فاكرة إنك تقدري ترميني؟" فحيحها كان زي التعبان، "أنا اللي عملتك.. ومن غيري إنتي ولا حاجة." سلمى عينيها اتملت دموع، بس صوتها كان زي الصخر: — "من غيرك.. يمكن أخيراً أعرف أكون أنا." البوليس جه بعد 20 دقيقة. نورا بدأت "تمثل" دور الضحية ببراعة.. عيطت، هزت راسها، قالت ليلى مخدوعة وكريم بيحرضها، وسلمى أعصابها تعبانة. بس العسكري كان معاه تقرير الدكتورة مريم. والظابط صور الحاجات اللي لقتها دينا في الأوضة. — "يا نورا،" الظابط قال بحزم، "إنتي لازم تخلي المكان ده فوراً. فيه قرار منع اقتراب من الطفلة هيصدر دلوقت." دموع نورا نشفت في ثانية وبصت لنا ببرود مرعب: — "الحكاية دي مش هتطول.. سلمى هترجع لي زحف.. هي دايماً بتعمل كدة." سلمى مسكت إيد ليلى وضمتها: "مش المرة دي." وهي خارجة والبوليس معاها بشنطة هدوم واحدة، لفت وبصت لي: — "أنت هديت البيت ده." بصيت لإيد بنتي في إيد مراتي، وقولت لها: — "لا.. أنا لقيت اللي فاضل من البيت ده.. وبنظفه من الوساخة." الهجوم المضاد بتاع "نورا" بدأ بعد 48 ساعة بالظبط. المحامي بتاعها، "ممدوح سليمان"، كان من نوعية المحامين اللي بيلبسوا بدل غالية ويفصلوا القوانين على مقاسهم، ويبتسموا وكأن الحقيقة دي مجرد وجهة نظر. عمل مؤتمر صحفي قدام مكتبه، ووقف جنب نورا والكاميرات عمالة تنور وتصور. المحامي اتكلم بثقة وثعبانية: — "موكلتي.. هي أم وجدة فاضلة، تم انتزاعها من وسط عيلتها باتهامات باطلة، وتلاعب نفسي، وضغط من جوز بنتها اللي عنده تاريخ طويل في فبركة وتأليف القصص الدرامية عشان أفلامه الوثائقية." نورا كانت لابس فستان رمادي وقور وعقد اللولي، وبتطبطب على عينيها بمنديل ورق وبتمثل العياط: — "أنا عمري ما عملت حاجة غير إني أحب حفيدتي.. وده اللي بيحصل لما الناس بتخلط بين 'التربية الحمشة بتاعة زمان' وبين الأذى." سلمى كانت قاعدة على الكنبة بتتفرج على الفيديو وهي لامة نفسها ومستغربة الجبروت. — "ممثلة شاطرة،" قولت لها. سلمى ردت بمرارة: "دي خلّتني أشك في زرقان جسمي وأنا عيّلة.. طبعاً شاطرة." الليلة دي، فتحت برنامج المونتاج القديم بتاعي لأول مرة من سنين. كان معايا الفيديوهات بتاعة كاميرات المراقبة، التسجيلات الصوتية للمناقشات اللي حصلت بعد ما كشفناها، صور كدمات ليلى، تقرير الدكتورة مريم، وشهادة نجاة (عمتها) اللي سجلتها فيديو من إسكندرية، ومعاهم مذكرات الجارة القديمة وبلاغات حماية الطفل القديمة اللي شيكو جابهملي. أنا منشرتش فيديو "فضايح" ولا "انتقام".. أنا نشرت "حقائق". الفيلم القصير كان مدته 13 دقيقة و42 ثانية. سميته: "الوجه الآخر للطيبين". سلمى اتفرجت عليه قبل ما أنشره، ولما خلص، فضلت قاعدة ساكتة كتير. — "ده ممكن يأذي ليلى في المدرسة يا كريم؟" — "اسمها ووشها مستخبيين تماماً ومش باينين، ومحدش هيعرفها برة نطاق المحكمة.. إحنا بنحميها مش بنتاجر بيها." سلمى هزت راسها: "توكل على الله.. انشر." الفيديو نزل الساعة 8 بالليل. على الصبح، كان متبعت آلاف المرات.. وعلى آخر اليوم، القنوات الإخبارية والصفحات الكبيرة بدأت تتكلم عن الموضوع، وبقوا يكلموا شيكو عشان ياخدوا تفاصيل. الرأي العام اتقلب تماماً. "نورا" مابقتش الجدة الغلبانة اللي بتعيط.. بقت الست اللي وراها تاريخ أسود. الناس بدأت تتكلم وتظهر! بيبي سيتر قديمة افتكرت صريخ العيال في بيتها. ست كانت بتخدم مع أولادها في المسجد اعترفت إنها شافتها مرة بتجر عيل من ودنه وتدب صوابعها في جسمه لحد ما علّمت. ست تانية بعتت لي صور من دفتر قديم كانت كاتبة فيه تواريخ خروج العيال من بيت نورا زمان في المحافظة التانية وهم بيعيطوا ومتبهدلين. بعد تلات أيام، رئيسة النيابة، "المستشارة نجوى"، طلبتنا في مكتبها. ست عينيها حامية، شعرها فيه خصلات بيضا، ومابتطقش اللف والدوران. — "الحالة اللي قدامنا دي مش سوء تفاهم،" قالت بصرامة، "ده 'أسلوب حياة'.. أذى بدني، تحكم نفسي، تهديد، وتعتيم. حالة بنتكوا لسه طازة ومعانا تقرير طبي يقفل القضية، وشهادة مدام سلمى بتثبت التاريخ، والشهود الجداد بيثبتوا إن ده طبع فيها بقاله سنين." سلمى سألتها: "يعني القضية مضمونة يا فندم؟" المستشارة نجوى بصت لها: "أيوه.. بس محامي الدفاع هيقطع فيكم." قولت لها: "هم شغالين تقطيع من دلوقتي." — "هيقلو إنك محرض بنتك، وإن ذكريات سلمى قديمة ومش مظبوطة، وإنك بتستغل الوجع ده عشان تعمل شو وتكسب شهرة ليرجع اسمك كمخرج." سلمى بصت لي، وبعدين بصت للمستشارة وقالت بكلمة واحدة: "خليهم يجربوا." جلسة التجديد والمحاكمة الأولى كانت زحمة، والصحفيين واقفين برة. نورا جت ولابسة طرحة بيضا مكسورة، وشايلة في إيدها المصحف، وبتبتسم للكاميرات بحزن وكأنها بتدعي لنا بالهداية! بس جوة قاعة المحكمة.. القناع اتمزق. لما عمتها "نجاة" وقفت تشهد، المحامي ممدوح حاول يلمح إنها بتتبلى عليها عشان طمعانة في فلوس تعويض جوزها رجب اللي مات زمان. نجاة قربت من الميكروفون وقالت بصوت زلزل القاعة: — "أخويا مات في ظروف تشيب، وبنته اتهرت ضرب، وأنا اتهددت واتطردت برا العيلة وعشت بذنب إني منقذتش سلمى 30 سنة! أنا مش جاية عشان فلوس.. أنا جاية عشان الست دي مكانها السجن وماتقربش من عيل تاني طول ما فيها نفس!" ولما الدكتورة مريم شهدت، شرحت الكدمات بلغة علمية مشاعرتش: "أماكن مستخبية.. أوقات شفاء مختلفة.. علامات منتظمة.. ردود فعل رعب من الطفلة." وبعدها "دينا" بتاعة حماية الطفل شرحت كلام ليلى: — "البنت كانت مصدقة إنها هي اللي غلطانة وهي اللي تستاهل الضرب، ومقتنعة إنها لو اتكلمت مامتها مش هتحبها.. التلاعب النفسي ده أخطر من الضرب." نورا كانت قاعدة مابتتحركش، بس فكها كان كازز على بعضه لدرجة إن عروق رقبتها كانت باينة وبتترعش من الغل. رئيس المحكمة، "المستشار كريم"، كان بيسمع من غير أي تعبير، لحد ما محامي الدفاع قال إن موكلته ست مسنة وحنينة ودي مجرد "تربية شديدة". هنا القاضي قلع نظارته، وبص للمحامي وقال: — "يا أستاذ.. مفيش أي حنية في كف إيد بينزل على ضهر طفلة في حتة مستخبية عشان العلامات ماتظهرش وياريتها علامة واحدة كنا قولنا مرة وعدت ." القاعة كلها اتخرست. وفي آخر الجلسة، القاضي أمر بتحويل القضية للجنايات، ورفض الإفراج عنها بكفالة وأمر بحبسها احتياطياً على ذمة القضية خوفاً من تأثيرها على الشهود وخطورتها على الصغار. نورا وقفت فجأة لدرجة إن الكرسي اترزع في الأرض، وزعقت بعلو صوتها وهي بتشاور على سلمى: — "أنتم ميزيدش عليكم كدة! أنا ربيت بنتي أحسن تربية! من غيري إنتي ولا حاجة!" المستشار كريم بص لها بكل برود وقال: — "يا نورا.. هنا في المحكمة، التمثيل مش دليل." أمين الشرطة قرب منها وكلبش إيدها. وهي ماشية والبوليس ساحبها، لفت وبصت لسلمى بفحيح مرعب: — "هترجعيلي.. إنتي دايماً بترجعيلي!" سلمى مسكت إيدي وضغطت عليها، وهمست: — "لا يا نورا.. المرة دي مش هرجع." برة المحكمة، الصحفيين جيروا علينا والمايكات اتمدت، فقولت كلمة واحدة للكل: — "بنتي قالت الحقيقة، ومراتي واجهت الحقيقة. والنهاردة الثبت إن الأذى مبيستخباش ورا ألقاب العيلة، ولا ورا السبحة والمصحف، ولا ورا شكل البيوت النظيفة. العيال يستاهلوا الأمان، أكتر ما الكبار يستاهلوا المظاهر." الليل جه، وليلى كانت قاعدة في سريرها، وبصت لي وسألتني: — "بابا.. هي تيتا مشيت خلاص ومش هتيجي تاني أبداً؟" — "مش هتيجي هنا تاني يا روح بابا.. اطمني." ليلى فكرت شوية وهي بتمسح على دبدوبها، وبعدين بصت لي وقالت: — "بابا؟" — "نعم يا روح بابا؟" — "هو لو فيه حد بيقول إنه بيحبك، بس بيوجعك وبيأذيك.. يبقى ده حب؟" سلمى كتمت شهقتها وحطت إيدها على بوقها والدموع نزلت من عينيها. قعدت على السرير جنب ليلى وبصيت في عينيها وجاوبتها بكل حذر ودقة: — "لا يا حبيبتي.. ده مش حب. الحب الحقيقي هو اللي بيحسسك بالأمان ويحميكي." ليلى هزت راسها الصغير، وكأنها بتشيل الجملة دي وتخزنها في أعمق حتة جوه قلبها: — "يعني تيتا مكنتش بتحبنا صح؟" سلمى قربت منها وقالت بصوت ناعم ومكسور: "أيوه يا ليلى.. مكنتش بتعرف تحب صح." المحاكمة بدأت بعد تلات شهور في قاعة محكمة كانت ضيقة جداً ومشتسيعة لعدد الناس اللي جايين يشوفوا "نورا" وهي بتتحاسب على اللي عملته. الصحفيين ملو الدكك اللي ورا، وناس من جمعيات حماية الطفل واقفين في الطرقة برة. ناس غريبة مكنعيرفهاش بقوا يبعتوا جوابات على بيتنا.. ناس بتشكر ليلى على شجاعتها، وستات تانية بيبعتوا لسلمى يقولوا لها إنهم كمان اتربوا على إيد أمهات الكل كان بيحلف بأدبهم وطيبتهم في العلن، وبيشوفوا منهم الويل في السر. ليلى شهدت عن طريق "الفيديو كونفرانس" من أوضة تانية مقفولة، وكانت قاعدة وجنبها دكتورة نفسية متخصصة. كنت قاعد جوة القاعة عيني على الشاشة، وضامم إيديا بقوة لدرجة إن عقل صوابعي ابيضت من الشد والتوتر. المستشارة نجوى بدأت تسألها بأسئلة هادية وحنينة: — "ليلى.. حبيبتي، إنتي عارفة إحنا قاعدين هنا النهاردة ليه؟" ليلى هزت راسها: "عشان تيتا كانت بتوجعني." — "تقدري تقولي لنا إيه اللي حصل؟" ليلى بصت للدبدوب اللي في إيدها، وبعدين رفعت عينيها للشاشة: "لما كانت بتعملي الضفيرة، لو اتحركت كانت بتضربني في ضهري.. وتقولي البنات المؤدبات بيقعدوا ساكتين. وقالت لي لو قولت لماما، ماما هتعيط والذنب هيبقى ذنبي أنا." المحامي ممدوح سليمان حاول يدخل يستجوبها، وبدأ بصوت ناعم مصطنع عشان ميبانش شرير قدام المحكمة: — "ليلى يا حبيبتي.. هو بابا هو اللي قالك تقولي الكلام ده؟" ليلى كشرت وحواجبها اتعقدت ببراءة: "لا.. بابا قال لي قولي الحقيقة بس." — "طب هو بابا مكنش بيحب تيتا؟" — "بابا كان بيحب كل الناس.. لحد ما تيتا وجعتني." سمعت همهمة وحركة في القاعة.. كلام البنت صدم الكل. المحامي غير خطته وبدأ يخشن صوته شوية: "بس الأطفال ساعات بيفتكروا حاجات محصلتش، أو بيتهيأ لهم حاجات غلط." ليلى ضمت دبدوبها لـ صدرها وقالت كلمة واحدة قتلت الصمت في القاعة: — "أنا فاكراها صح.. عشان كانت بتوجع." الجملة دي وقعت زي الصاعقة.. المحامي مابقاش عارف ينطق. بعدها جه دور سلمى عشان تشهد.. عمرى في حياتي ما فخرت بحد زي ما فخرت بمراتي في اللحظة دي. وقفت قدام القضاة وهيئة ، وحكت لهم عن الدواليب، والأحزمة، والمعالق الخشب.. عن وقوفها في الزوايا بالساعات. عن الكلمات المسمومة اللي كانت بتسمعها كل يوم؛ إنها جاحطة، بتاعة دراما، مقصرة، وحشة، وأنها من غير أمها م تسواش قشرة بصلة. حكت لهم عن شعور إنك تكبر مع أم بتعمل صواني الأكل والشرب للجيران وتتبرع للجامعات الخيرية، وفي نفس الوقت بتنيم بنتها على البلاط. ممدوح سليمان حاول يكسرها ويهز ثقتها بنفسها: — "مدام سلمى.. مش حقيقي إنك بتتعالجي وبتاخدي مهدئات وأدوية قلق واكتئاب؟" — "أيوه، حقيقي." — "ومش أدوية القلق دي ممكن تأثر على الذاكرة وتخليكي تشوفي حاجات محصلتش؟" — "ممكن تأثر على الذاكرة.. بس مابتخلقش علامات وكدمات على الظهر." — "أنتي زعلانة من والدتك؟" سلمى لفت وشها وبصت لنورا في عينها مباشرة: "أيوه." — "يعني شهادتك دي نابعة من غل وانتقام شخصي؟" — "شهادتي نابعة من 'الحقيقة'." هنا، النيابة طلعت المفاجأة.. المستشارة نجوى شغلت تسجيل من التسجيلات اللي كنا مجهزينها. صوت نورا ملى القاعة وهو بيرن في الحيطان: — "العيال لازم يتكسر عينهم عشان يتربوا.. الوجع بيعلم اللي الكلام مبيعملوش!" شفت وشوش المستشارين والقضاة وهي بتتخشب من القرف والذهول. المحامي اعترض، والقاضي رفض الاعتراض وقال: "الطلب مرفوض.. التسجيل مقبول." بعدها ورا بعض.. شهدت نجاة، والجارة القديمة، وصاحبة الحضانة.. وحتى الأخصائية الاجتماعية القديمة اللي طلعت عالمعاش وقفت وقالت بأسف: "بلاغ سنة 1995 فشل عشان نورا كانت بتبان قدامنا ست رزينة، محترمة، وبتاعة ربنا.. مكنش يخطر على بالنا إنها بالخطورة دي." الأدلة والشهادات كانت بتتبني حوالين رقبة نورا زي السور.. مفيش مفر. في اليوم التاسع، نورا صممت تطلع على منصة الشهادة بنفسها، عكس نصيحة المحامي بتاعها. في الأول، عملت الوش اللي بتجيد تمثيله.. وش التضحية، الست اللي جوزها مات وسابها بدري، الست المؤمنة، التربية الصالحة، جيل الأيام دي اللي مبيعرفش الأصول والشدة. وعيطت وهي بتوصف إزاي "خسرت" بنتها سلمى. لحد ما المستشارة نجوى وقفت قدامها، وبصت لها بعيون زي الصقر، وبدأت الأسئلة اللي بجد: — "يا ست نورا.. هل عمرك مديتي إيدك أو ضربتي الطفلة ليلى كريم؟" نورا رفعت راسها بكل جبروت وقالت بثبات: — "لا.. محصلش." — "وهل عمرك ضربتي سلمى بنتك وهي طفلة؟" — "أنا كنت بربي بنتي وأدبها." — "بالحزام؟" — "كنت بستخدم الأسلوب المناسب." — "بالمعالق الخشب؟" — "لو كانت محتاجة لتقويم سلوك، أيوه." — "بالمساطر الحديد؟" شفايف نورا ضاقت واتحولت لخط رفيع من الغل: — "عيال اليومين دول بقوا مفسدين ودلعهم باخ عشان أهاليهم ضعاف ومبيعرفوش يربوا." — "وهل قولتي لليلى إن أمها هتبطل تحبها لو اتكلمت وقالت الحقيقة؟" — "لا." هنا المستشارة نجوى داست على ريموت في إيدها.. صوت نورا ملى سماعات القاعة من الليلة اللي جات فيها على باب بيتنا وهي بتزعق: — "البت الشقية دي قالت لكم إيه؟" نورا وشها جاب ألوان واصَّفر. المستشارة نجوى وقفت الصوت مؤقتاً: — "هو ده صوتك؟" نورا سكتت. — "يا ست نورا.. ده صوتك؟" زعقت بعصبية: "أيوه صوته.. بس أنتم بتلووا الكلام وبتغيروا معناه!" المستشارة نجوى قربت منها خطوة: — "يعني إنتي بتوصفي طفلة عندها 6 سنين، مجني عليها ومضروبة، بأنها 'بت شقية'؟" — "كانوا بيقوّوها عليا وبيقلبوا عليا بنتي!" — "بأنها تقول الحقيقة؟" — "بأن أبوها الضعيف بيدلعها ويبوظها!" والقضاة كانوا بيبصوا لها بتركيز شديد وريشة مكنتش تقف على وشوشهم. المستشارة نجوى وطت صوتها وبقت تسألها ببرود قاتل: — "هو إنتي بتعتقدي إن الأطفال لازم يخافوا من الكبار عشان يحترموهم؟" وش نورا احمر وعروقها برزت: — "أنا بعتقد إن الأطفال لازم 'يطيعوا والأمر يتنفذ'!" — "وبتأمني إن الوجع والألم وسيلة تعليمية مقبولة؟" — "لو الكلام منفعش.. أيوه!" سلمى ضغطت على إيدي جامد لدرجة إنها وجعتني. المستشارة نجوى سألتها سؤالها الأخير: "هو إنتي شايفة إنك عملتي أي حاجة غلط؟" نورا بصت ناحية المستشارين ، ولثانية واحدة افتكرت إنها هترجع تلبس قناع الغلب والتقوى تاني.. بس الغل والغرور عموها، ونار الغضب جواها كسبت: — "أنا حميت العيال دي من إنهم يطلعوا مالهمش عازة في الدنيا! سلمى بقت ممرضة ناجحة عشان أنا كسرت دماغها الناشفة وعلمتها الأدب! وليلى كانت هتعرف يعني إيه احترام للأكبر منها لو أبوها مكنش دخل في اللي ملوش فيه! أنا عملت اللي الأمهات الصالحين بيعملوه بقالهم أجيال!" تابع للجزء الثالث والاخير الجزء الثالث والاخير ورا كل باب حكاية بقلم نرمين عادل همام القاعة اتقلبت وضجت بالصوت. المستشار كريم دق بشاكوشه بكل قوة: — "محكمة! هدوء!" المحامي ممدوح سليمان دارى وشه بين إيديه وعرف إن القضية ضاعت. لقضاة منقشوش القضية أكتر من أربع ساعات. الحكم: خمسة عشر عاما . تعذيب طفل مع هتك عرض ، اعتداء بالضرب، تعريض حياة طفلة للخطر، تهديد شهود، وترويع. وقت النطق بالحكم، المستشار كريم وجه كلامه لنورا مباشرة: — "إنتي استخبيتي ورا وش الاحترام والتقوى والمنظر الشيك معظم حياتك.. وحولتي الأمومة والدين وصلة الرحم لأسلحة تكتمي بيها صوت الأطفال.. ومفيش في عينيكي نقطة ندم واحدة. لسه مقنعة إن الوجع هو الحب، مع إن كل دليل في القاعة دي بيثبت العكس." نورا وقفت متخشبة: "أنا الضحية هنا!" المستشار كريم ميرمش حتى: "لا يا ست نورا.. إنتي المتهمة والمجرمة." وحكم عليها بالسجن المشدد 15سنة. لانها تنددرج تحت هتك العرض . من غير أي قيد أو شرط للإفراج المبكر. نورا صرخت وصوتها جاب آخر الممر وهم بيسحبوها.. قعدت تدعي على سلمى وعليا، وقالت إن ليلى هتكبر وتكرهنا، وقالت إن ربنا شايف كل حاجة. ليلى مكنتش في القاعة وقت الحكم، بس بعدين، لما قعدنا معاها على الكنبة وفهمناها إن تيتا هتقعد في السجن لوقت طويل أوي، قعدت ساكتة بتفكر. — "هو السجن ده زي 'العقاب اللي باخده لما بغلط؟" سلمى ضحكت بوجع وسط دموعها: "حاجة شبه كدة يا روح ماما." ليلى هزت راسها: "أحسن.. عشان تقعد هناك وتفكر إزاي تبقى طيبة مع الناس." ولأول مرة من شهور، كلنا ضحكنا.. مش عشان الموضوع بيضحك، بس عشان أخيراً عرفنا "نتنفس" ونطلع النفس اللي كاتمينه. العلاج والمداواة في الأول مكنش باين إنه انتصار.. كان باين في شكل ليلى وهي بتصحى بالليل بتصرخ من كابوس إن حد بيشد ضفيرتها لورا. وكان باين في شكل سلمى وهي بتنهار وتعيط في السوبر ماركت لمجرد إنها سمعت أم بتزعق لبنتها بنفس النبرة والنفس اللي نورا كانت بتستخدمه معاها. وكان باين فيا وأنا بلف على أقفال البيبان تلات مرات كل ليلة، مع إن نورا ورا السجن في محافظة تانية بعيد. الحكم جه بالقصاص.. بس السلام الداخلي جِه على مهله وببطء. ليلى بدأت تروح لدكتورة نفسية مرتين في الأسبوع، الدكتورة "أمل" كانت بتديها ألوان، وصلصال، وعرايس، وادتها الأمان إنها تقول كل اللي حاسة بيه.. الحاجات اللي كانت بتتعاقب زمان لو فكرت فيها بس. في يوم، ليلى رجعت البيت ومعاها رسمة فيها تلات أشخاص تحت شمس صفرا منورة. — "دول إحنا،" قالتها وهي فرحانة. سلمى ابتسمت بحذر: "وفين تيتا؟" ليلى هزت كتافها ببراءة: "برة الرسمة.. هي مش من العيلة." بصيت لسلمى، وليلى كملت كلامها: "العيلة هي اللي بتحمينا وتخلينا في أمان." سلمى قعدت على الأرض وعيطت، بس المرة دي ليلى هي اللي طلعت على حجرها بقلمي نرمين عادل همام وبقت تطبطب على خدها بصوابعها الصغيرة: — "معلش يا ماما.. متعيطيش، إنتي كمان لسه بتتعلمي." دي كانت الرحمة والبركة اللي في الأطفال.. يشيلوا الوجع والحكمة في نفس الإيدين الصغيرة. سلمى خدت وقت طويل عشان تسامح نفسها.. أكتر من الوقت اللي ليلى خدته. بدأت هي كمان تتابع مع دكتور نفسي، قللت ساعات شغلها في المستشفى لفترة، وبقت تكلّم عمتها نجاة كل يوم حد بالليل.. ورجعت تبني الخط اللي نورا سرقته منها من قبل ما تفهم يعني إيه خسارة. في بعض الليالي، سلمى كانت بتصحى مخضوضة وتهمس لي في الضلمة: "كريم.. طب افرض طلعت شبهها؟ افرض بقيت زيها؟" وكنت دايماً بجاوبها بنفس الرد: "مجرد إنك بتسألي السؤال ده وخايفة منه.. ده أكبر دليل إنك عمرك ما هتكوني زيها. بعد ست شهور من المحاكمة، شيكو أقنعني إني لازم أكمل الفيلم الوثائقي الطويل. كنت رافض في الأول؛ مكنتش عايز وجع عيلتي يبقى مشاع قدام الناس. بس الجوابات كانت بتوصلنا كل يوم.. ناس نجت من أذى أهاليها، أمهات، مدرسين.. كبار شافوا حتة من نفسهم في قصة سلمى، وعيال قالوا إن شجاعة ليلى خلتهم يتكلموا ويقولوا للي بيثقوا فيهم. فعملت الفيلم. مخلوش عن نورا كـ "وحش".. خليته عن "إزاي الوحوش بتعيش وسطنا وتستخبى؟" بيعيشوا لأنهم بيطبخوا ويعملوا لقمة حلوة. وبيروحوا الجوامع والكنائس ويبانوا أهل تقوى. وبيفتكروا أعياد الميلاد ويجيبوا هدايا. وبيعيطوا قدام البوليس ويتمسكنوا. وبيقولوا إحنا "شديدين وبنربي" مش قساة ومجرمين. وبيتهموا العيال بالكذب من قبل ما حد يسأل "هو الطفل مرعوب ليه؟" الفيلم سميته "خلف الأبواب المغلقة" دا اسم روايتي ورا كل باب حكايه بقلمي نرمين عادل همام . وش ليلى مظهرش فيه خالص، وصوتها اتغير تقنياً. وسلمى وافقت تطلع في إنترفيو واحد، كانت قاعدة في إضاءة شباك هادية، وإيدها في حجرها: — "أمي علمتني إن الطاعة العمياء هي الحب.. وبنتي علمتني إن الحقيقة هي الحب الحقيقي." لما الفيلم اتعرض في مهرجان سينمائي، كنت قاعد في النص بين سلمى وعمتها نجاة، والناس حوالينا في الضلمة كانت بتعيط وتتأثر. بعد العرض، ست قربت من سلمى في الصالة وقالت لها والدموع في عينيها: — "أمي كانت زي أمك بالظبط.. وعمري ما لقيت كلام يوصف اللي عشته غير النهاردة بعد ما شفت فيلمكم." سلمى خدتها في حضنها.. وقتها عرفت إن حكاية عيلتنا مبقتش ملكنا لوحدنا. نورا بنت قوتها وجبروتها في "السكوت والخوف".. وكل شخص بيتكلم ويقول الحقيقة، بيخلي مساحة السكوت دي تضيق وتموت. مرت سنتين. ليلى بقى عندها تمان سنين.. بقت بتلعب كورة في النادي بلخبطة وبفرحة مالية الدنيا. بقت بتسيب شعرها مفرود معظم الأيام، بس في يوم الصبح، دخلت وطلبت من سلمى: — "ماما.. ممكن تعمليلي ضفيرة؟" سلمى اتسمرت مكانها وإيدها وقفت: "إنتي متأكدة يا ليلى؟" ليلى هزت راسها: "أيوه.. بس متشدهاش قوي." إيدين سلمى كانت بترتعش وهي بتسرح شعر ليلى.. وأنا كنت واقف على الباب وعامل نفسي مش واخد بالي وببص في الموبايل. ليلى بصت لنفسها في المراية وقالت لأمها: — "لو قولتلك 'بس وخلاص' وقفّي.. ماشي يا ماما؟" سلمى ابتسمت والدموع مغرقة عينيها: "من غير ما تقولي يا قلب ماما.. هقف فوراً." لما الضفيرة خلصت، وكانت واسعة، ومرخية، وناعمة.. ليلى لمستها بصوابعها وبصت لأمها في المراية وقالت: — "شفتي بقى؟ الضفاير ممكن تبقى حلوة وحنينة اهيه." سلمى خدتها في حضنها بكل قوتها وهمست: — "أيوه يا قلب أمك.. ممكن تبقى أحسن وأحن حاجة في الدنيا." نورا حاولت تعمل نقض للحكم مرتين.. والمرتين اترفضوا، وفضل الحكم زي السيف على رقبتها. من ورا القضبان، بدأت تبعت جوابات.. جوابات لسلمى، ولليلى، وليا أنا كمان. مفيش ولا جواب فيهم اتفتح بعد أول واحد وصلنا. في أول جواب ده، كتبت إنها "مسامحانا".. مش إنها ندمانة، ولا إنها فهمت غلطها.. لا، الست بكل جبروتها بتقول إنها "مسامحانا"! سلمى خدت الجواب وولعت فيه في حوض المطبخ، وبصت للرماد وهو بينزل مع المية وقالت: — "أنا مش محتاجة سماح من الشخص اللي دبحني ودبح بنتي." الليلة دي بالظبط، زرعنا "لافندر" في الحتة اللي كانت مبنية فيها "أوضة المنور". أنا كنت هديت الأوضة دي تماماً وشيلتها من ساسها بعد ست شهور من المحاكمة. لفترة، الحتة الفاضية دي كانت باينة في الجنينة ورا البيت زي سنة مخلوعة، منظرها مشوه ويخوف.. لحد ما سلمى اقترحت نعملها جنينة ورد. ليلى اختارت اللافندر عشان بتحب ريحته. وعمتها نجاة بعتت لنا شتلات ورد بلدي من إسكندرية. وشيكو جه ومعاه كوريك، وشواية لحمة، وفلاشة مليانة أغاني قديمة ذوقها زي الزفت. على الصيف، الحتة اللي نورا كانت بتقعد فيها زمان وتراقب بيتنا من الشباك، بقت أنور وأجمل حتة في الجنينة كلها. في الذكرى السنوية التانية للحكم، ليلى سألتني لو ينفع نعزم كل الناس عندنا. — "كل الناس يا ليلى؟" — "كل الناس اللي ساعدونا ونقذونا." وعملنا كدة فعلاً.. الدكتورة مريم جت، ودينا بتاعة حماية الطفل جت، وعمتها نجاة خدت قطر وجات من إسكندرية، وشيكو جاب كاميرته بس حلف ميت طلاق مش هيصور غير لو طلبنا منه. وحتى المستشارة نجوى عدت علينا ومعاها علبة علبة كحك وبسكوت، وابتسامتها النادرة اللي مابتظهرش بسهولة. ليلى وقفت على قالب طوب في وسط الجنينة، وطلعت ورقة وقرأت منها كلمة كانت كاتباها بنفسها: — "شكراً لأنكم صدقتوني.. الأطفال بيقولوا الحقيقة حتى وهم خايفين. ولازم الكبار يسمعوهم أسرع من كدة." القاعة أو الجنينة كلها سكتت للحظة.. كلامها لمس قلب كل واحد واقف. وبعدين الكل بدأ يسقف بحرارة. سلمى عيطت من فرحتها وقلبها اللي ارتاح، وأنا كمان دموعي نزلت. بعدين، لما كل الضيوف مشيوا والشمس بدأت تغيب ورا الشجر، قعدنا إحنا التلاتة في جنينة اللافندر، بناكل باقي التورتة في أطباق ورق. ليلى ميلت راسها وسندت على كتفي: — "بابا؟" — "نعم يا قلب بابا؟" — "هو إحنا كدة خفينا وبقينا سُلام؟" فكرت في الكلمة.. كلمة "سُلام" أو "خفينا تماماً" دي كلمة واسعة أوي، وبتبان زي فازة مكسورة لزقوها كويس أوي لدرجة إن مفيش حد شايف الشروخ.. بس إحنا مكنّاش كدة. إحنا كنا حتت مجروحة ومتبهدلة، بس اتعلمت إزاي تقف في الشمس وتعيش. إحنا كنا بيت دخل فيه حريق، بس نِجي منه وبنى حيطان أقوى وأمتن من الأول. إحنا كنا عيلة بطلت تقتنع إن "السكوت والخنوع" هو نفسه "الأمان". قولت لها بالراحة وأنا بطبطب عليها: "لا يا حبيبتي.. إحنا مخفيناش بنسبة مية في المية.. بس إحنا بنِبرا وبنتعافى." ليلى هزت راسها: "وده أحسن بكتير من إننا نستخبى ونخاف." سلمى مدت إيدها ومسكت إيدي: "أيوه يا ليلى.. أحسن بكتير فعلاً." بصيت لمراتي، وبعدين لبنتي، وبعدين لورد اللافندر وهو بيتحرك بالراحة مع نسمة الهوا بتاعة الليل. نورا كانت بتحاول تخلي الوجع هو الميراث اللي بنستلمه.. كانت عايزة تنقل الخوف من الأم للبنت، ومن البنت للحفيدة، كأنه حتة دهب أو ورث عيلة أسود وملعون بيتنقل عبر الأجيال. بس السلسلة دي انكسرت خلاص.. منكسرتش في هدوء. ولا منكسرتش بالذوق والأدب. ولا من غير ما تسيب فينا علامات وشروخ.. بس المهم.. إنها انكسرت. وفي مكانها، إحنا بنينا حاجة هي عمرها في حياتها ما هتعرف تفهمها ولا هتدخل دماغها.. بنينا بيت.. الحقيقة فيه مش اتهام ولا بتتعاقب عليها. بنينا عيلة.. الحب فيها مبيعلّمش على الظهر ولا بيسيب كدمات. بنينا مستقبل.. بنتي تقدر تسرح فيه شعرها بالطريقة اللي تعجبها، وعمرها ما هتخلط تاني في حياتها بين "الخوف" وبين "الاحترام". بقلمي نرمين عادل همام تمت الرواية