جواز صالونات
تامر قعد جنبي على الأرض، حط إيده على كتفي وهو بينتــ,,ـــــحب بصوت واطي:
“أحمد.. مريم قوية.. مريم استحملت الوجع والظلــ,,ـــــم والمرض اللي طلع وهم، مش هتمــ,,ـــــوت دلوقتي.. ادعيلها.”
فاتت نص ساعة كأنها نص قرن. الصفارة السريعة المرعبة بتاعة جهاز ضــ,,ـــــربات القلب بدأت تهدى تدريجيًا، وتتحول لنبضات منتظمة.. “بيب… بيب… بيب”.
الباب اتفتح، وخرج الدكتور مدحت. كان ساند ضهره على الحيطة وبيتنفّس بصعوبة، وشه كان عرقان ولونه خاطف. جريت عليه ومسكت إيده: “طمني يا دكتور.. طمني بالله عليك!”
الدكتور مدحت مسح وشه وبصلي بعيون حمرا وقال بنبرة هادية بس فيها حذر:
“الحمد لله.. لحقناها.. النبض استقر والمؤشرات الحيوية بدأت ترجع لطبيعتها. مريم دخلت في حاجة اسمها ‘صدمة عصبية حادة’ أدت لهبوط مفاجئ في الدورة الدموية.. جسمها رفض يستحمل الوجع أكتر من كده ففصل.. والحمد لله، الجنين لسه ثابت، بس الوضع حرج جداً يا أحمد.. مريم مش هتعيش ولا هتقوم على رجليها غير لو حست إن عندها سبب تعيش علشانه.”
هزيت راسي وعيني بتلمع بالدموع: “أنا السبب.. أنا السبب في كل اللي هي فيه.. طب ينفع أدــ,,ـــــخلا؟”
الدكتور مدحت بصلي بنظرة طويلة، نظرة أب بيسلم بنته للراجل اللي كسرها، بس شايف في عينه الندم الصادق، وقال: “ادخل.. بس افتكر، مريم محتاجة أمان.. مش شفقة.”
—
دخلت الأوضة بخطوات مرتعشة. الأجهزة كانت حوالين السر,,ـــــير، والخرطوم بتاع الأكسجين في مناخيرها، وإيدها الرفيعة متوصل فيها المحاليل. وشها البسيط الهادي كان نايم في سلام كأنها طفلة هربت من كابوس طويل.
قعدت على الكرسي اللي جنب السر,,ـــــير. مسكت إيدها الساقعة وحطيتها بين كفوفي وبدأت أدفيها بأنفاسي. نزلت راسي على إيدها وبكيت بسكوت.. بكيت على الشهور اللي ضاعت في البرود، على المقارنات التافهة، على اللحظة اللي زعقت فيها في وشها وهي شايلة هم الكون لوحدها.
“مريم…” همست بصوت مخنوق. “مريم، قومي يا حبيبتي.. أنتِ سليمة.. مفيش مرض، مفيش ورم.. الورق كان غلط.. أنتِ مفيش في جسمك غير حتة مني ومنك.. مريم، إحنا هنبدأ من جديد.. الشقة فداكي، هسكنك في قصر، بس قومي ونوري دنيتي تاني.”
في اللحظة دي، حسيت بحركة خفيفة في صوابعها.
رفعت راسي بسرعة.. مريم بدأت تفتح عينيها ببطء شديد. بصت للسقف، وبعدين لفت وشها ناحيتي. ملامحها مكنش فيها غضب، كان فيها علامات استفهام وكسرة لسه منمحتش.